قلما تكرسّت عائلةٌ بكاملها لخدمة الرب بالنذور الرهبانية. قلما فاح عرْف قداسةٍ في سنّ العشرين. قلّما تكلم القديسون مع الربّ بدالّة الأبناء, وجُرأة المحبين، وجسارة الأطفال وثِقتهم واستسلامهم. قلّما عاش قديسٌ دعوةَ الشهيد والمعلم والكاهن والملفان والرسول، ورآها كلها لا تكفي لإشباع حبّه لله وغيرته على النفوس. قلّما سمعنا بدعوةٍ كدعوة تريزيا: ((دعوتي هي الحبّ. في قلب الكنيسة أمّي أريد أن أكون المحبة)). وقلما خرجت راهبة كرملية من حِصنها، لتكون في قرْن العالم والاكتشافات والتحدي، شفيعة المرسلين والكهنة.



القديسة تريزيا الطفل يسوع
الثاني من يناير ١٨٧٣ - الثلاثون من أيلول ١٨٩٧
إلتحقت في مصاف القديسين في ١٧ - ٥ - ١٩٢٥
أعلنها البابا بيوس الحادي عشر شفيعة المرسلين في ١٤ - ١ - ١٩٢٧
أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني معلمة الكنيسة في  ١٩ - ١۰ - ١٩٩٧





هذه هي القديسة تريزيا الطفل يسوع

 الراهبة الكرملية الشابة. ابنة الملفانة القديسة تريزيا الكبيرة، والقديس يوحنا الصليبي. وُلِدَت ماري فرانسواز تريز في ألنسُون، في فرنسا، في الثاني من كانون الأول، سنة ألفٍ وثمان مئة وثلاثٍ وسبعين. من والدين فاضلين تقيِّين: لويس مارتين وزيلي غيرين. وكانت التاسعة من باقة الزنابق البيض على حدّ قولها: توفي الأربعة في سن الطفولة، والخمس الباقيات كرّسن نفوسهنَّ لله في الحياة الرهبانية. ما بلغ عمرها العام الثالث حتى أنعمها الله بنعمة خاصة، ففاض على ذهنها، من قوَّة الإدراك والتمييز، ما كان يذهل السامعين. ومن حينها أخذت على نفسها أن تحبّ الطفل يسوع حتى الموت. وجعلت هدفها التضحية بالنفس والزُّهد في الدنيا. وكانت أمُّها الفاضلة السَّند الأكبر لها في الاستمساك بعُرى الفضائل. بيْد أن الطفل يسوع قد شاء أن يستأثر بتنشيء عروسه، فدعا أمها إلى الحياة الأبدية. وكانت الصغيرة في الخامسة من عمرها. فعانت من الحزن ما يعجز الوصف. إلاّ أن حُبَّها للطفل يسوع حبيبها كان لها المعزّي الأكبر.

ثم أخذت تترعرع في ظلِّ بولين شقيقتها البكر. فكانت لها بمثابة أمٍّ ثانية تعنى بتربيتها، وبعد بضعة أيام تركت بولين المنزل الأبوي ودخلت دير الكرمل، فعاود الحزن المرير تريزيا، واعتراها منه مرضٌ شديد أعيا أمهر الأطباء. فاستغاثت بالبتول مريم تسألها أن تحنو عليها، فظهرت لها والدة الله، إلى جانب فراشها، وابتسمت لها ابتسامةً كانت لها أنجع دواء. ومع نموِّها في السن، كان شوقها ينمو إلى الاتحاد بيسوع، وقد سلب جماله قلبها. وما كان أشدَّ فرحها يوم أذن لها في المناولة الأولى، إذ قبلت يسوع حبيبها في مخدع نفسها. فأخذت تزداد فضيلةً وتقوى، فوطَّدت النفس على الانخراط في الرهبانية الكرملية. وكانت في عامها الرابع عشر.فكاشفت رئيسة الدير برغبتها، فرفضت قبولها بين الطالبات، بحجّة أنها لم تبلغ السنَّ المطلوبة للترهُّب. فحزنت تريزيا حزناً شديداً، لدى تأملها في طول مدة الانتظار. لجأت إلى والدها فوعدها بتذليل كل صعوبة. ولم يلبث أن ذهب وإيَّاها إلى مطران الأبرشية، يرجو منه أن يمهد السبيل لابنته، إتماماً لرسالتها. غير أنَّ نحافة جسم تريزيا وقصر قامتها حالا دون مرادها. ولكن في ذلك اليوم عينه، اتَّفق أن  احتفل بيوبيل البابا لاون الثالث عشر، فانضمّت وفود الفرنسيين لزيارته في روما. وكان بين الوفود وفد ألنسُون، حيث ركعت تريزيا على قدمي الحبر الأعظم، وخاطبته بدالةٍ وثقة: حنانك أيها الأب الأقدس! لي نعمة ألتمسها من قداستك بمناسبة يوبيلك الميمون: أن تأذن لي فأنخرط في الرهبانية الكرملية، قبل أن أنجز عامي الخامس عشر. فقال لها: انتظري، يا ابنتي، ما يقرُّ الرؤساء في شأنك. فارتمت على قدميه ثانية تلحُّ على طلبها الأول. أجابها: اذهبي، يا ابنتي، إنك ستترهَّبين. وما إن عادت من روما لبضعة أيام خلت، حتى أمر مطران الأبرشية بقبول تريزيا في دير الكرمل كطالبة. فامتلأ قلبها فرحاً. وفي التاسع من نيسان، سنة ألف وثمانٍ وثمانين، قاد الوالد الشيخ ابنته الحلوة إلى جبل الكرمل في ليزيو، مردداً في أعماق سره وإيمانه شكره لله على نعمته الفياضة. فانضمَّت تريزيا إلى المبتدئات، وكانت لهنَّ مثالاً جذَّاباً. ثم اتشحت بالثوب الرهباني، وأخذت تبالغ في حفظ القوانين، وممارسة ضروب التقشُّف، فأنهكت قواها. وانتابها مرض عضال أودى أخيرا بحياتها. كم تاقت نفسها إلى خدمة النفوس، فوقفت حياتها وصلاتها وتقشفاتها وآلامها، لإسعاف الكهنة والمرسلين. فاضت روحها الطاهرة، وطارت إلى عروسها الإلهيّ، في الثلاثين من أيلول سنة ألفٍ وثمانِ مئةٍ وسبعٍ وتسعين، ولها من العمر أربعٌ وعشرون سنة. ((قد بلِّغَتِ الكمال في أيَّامٍ قليلة، فكانت مستوفيةً سنين كثيرة)).

منذ يومِ وفاتها السَّعيدة، قامت بإنجاز وعدها، أن تَمطرَ الأرضَ بالورود. فشفت كثيراً من المرضى، وقد أشرفوا على الموت. وفرّحت كرْبَةَ الكثيرين... فرفعها البابا بيوس الحادي عشر على المذابح، ونظمها في صفوف القدِّيسات العظيمات، في السابع عشر من أيار، سنة ألفٍ وتسعِ مئة وخمسٍ وعشرين، ثم أعلنها شفيعة المرسلين، في الرابع عشر من كانون الثاني، سنة ١٩٢٧. فتسابق المؤمنون إلى الاحتفال بعيدها في أقطار الأرض غرباً وشرقاً. أنعمنا الله بشفاعتها. آمين.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الأول

ألمصعدُ الروحي

كانت رغبتي الدائمة أن أصير قديسة.

 ولكن يا للأسف! فقد تحقَّقت على الدَّوام، كلَّما قابلت بيني وبين القدِّيسين، أنَّ بيننا الفارق عينه الذي نراه في الطبيعة بين الجبل، تتيه ذروته في الغيوم، وحبَّةِ الرَّمل القاتمة، تطأها أقدام المارَّة! وبدلاً من أن تهبط عزيمتي، قلت في نفسي: ألله لا يوحي برغائب لا يمكن تحقيقها. ففي وسعي، إذن، برغم صغري، أن أتوق إلى القداسة. يستحيل عليَّ أن أكبر! لذلك يجب عليَّ أن أتحمَّل نفسي كما هي، بما فيها من نقائص لا تحصى. غير أنّي أريد أن أبحث عن وسيلةٍ للذهاب إلى السماء، في طريقٍ صغيرةٍ قويمةٍ وقصيرةٍ وجديدة. نحن في عصر الاختراعات: لا حاجة بعد الآن، أن نصعد الدَّرج درجةً درجة. في بيوت الأغنياء، حلَّ المصعد مكان الدَّرج بديلاً. وأنا أودُّ أن أجد مصعداً يرفعني إلى يسوع، لأنّي صغيرة، لا يسعني أن أصعد درج الكمال القاسي. آه! ما ألطفها كلماتٍ تنعش نفسي، وما أعذبها، لم يسبق لها مثيل! ألمصعد الذي سيرفعني إلى السماء، إنما هما ذراعاك، يا يسوع! لذلك لا حاجة بِي لأن أكبر، يجب أن أبقى صغيرة، بل أن أتناهى في الصِّغر. لقد تخطَّيت، يا إلهي، إلى أبعد ما كنت أنتظر منك، فأنا أشيد بمراحمك! علِّمتني، منذ صبائي وإلى الآن، أن أخبر بمعجزاتك. وسأعْلنها الجيل المقبل. فما هو، بالنظر إليَّ، هذا الجيل المقبل؟ قد يكون الآن أو بعد الآن: فأنَّ ألفي سنةٍ في عيني الرب كيومٍ واحد...



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الثاني

طريق الطفولة

سرَّ يسوع أن يريني الطريق الأوحد الموصل إلى ذلك الأتّون الإلهي: والطريق هو استسلام الطِّفل الصغير عندما ينام مطمئناً على ذراعي أبيه. ((من كان صغيراً، فليأتِ إليَّ))، قال الروح القدس في فم سليمان الحكيم. وقال روح الحب عينه أيضاً: ((أعطيت الرحمة للصِّغار)). وأوحى إلينا النبي أشعيا باسمه، أنه في اليوم الأخير، ((سيقتاد الرَّب قطيعه من المراعي، ويجمع الحملان ويحملها في حضنه)). وكأن تلك الشواهد لم تكف، فيهتف النبي عينه باسم الرَّبّ، وَلَحْظُهُ الملهم يغرق في أعماق الأزل: ((كما أن الأمَّ تدلَّل ابنها، هكذا أنا أعزِّيكم وأحملكم في حضني، وأهزُّكم على ركبتيَّ)). بعد هذا القول، أختي، لا يسعني إلاَّ أن أصمت، وأبكي عرفاناً وحباً. آه! لو أنَّ النفوس الضعيفة الناقصة كنفسي، تشعر بما أشعر، لما يَئِسَتْ منهُنَّ واحدةٌ من الوصول إلى قمَّة جبلِ الحبّ، لأن يسوع لا يطلب أعمالاً عظيمة، بل يريد التسليم والعرفان بجميله لا غير...

أن تبقى طفلاً، هو ألاَّ تنسب إلى نفسك الفضائل التي تمارسها، فيخيَّل إليك أنك تستطيع شيئاً، بل أن تقرَّ بأنَّ الله صالحٌ يجعل كنز الفضيلة هذا في كفِّ طفلِهِ الصغير، ليستعمله كلما كانت به حاجة. ويبقى دوماً كنز الله الصَّالح. وبعدُ، فإنَّ الطُّفولة هي ألاَّ تقنط بسبب خطاياك، لأنَّ الأطفال يسقطون غالباً، ولكنَّهم صغارٌ لا تؤذيهم السَّقطة كثيراً.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الثالث

تريزيا، زهرة ربيعيَّة

إني لا أجدُ على هذه الأرض شيئاً يجعلني سعيدة، فقلبي كبيرٌ إلى أنَّ لا شيء ممّا يسمُّونه سعادةً في هذا العالم يمكنه أنْ يرضيه. إنَّ فكري يطير بي نحو الأبديَّة، والزمانُ أوشك أن يزول. إن قلبي هادئٌ كبحيرةٍ راكدةٍ أو كسماءٍ صافية. إني غير آسفةٍ على حياةِ هذا العالم. فبي ظمأٌ إلى مياه الحياة الأبدية... عمَّا قليل تغادر نفسي هذه الدنيا الفانية، وينتهي منفاها ويكْمُلُ جهادها. أصعد إلى السماء وأدخل قريباً إلى مقرَّ المختارين، فأرى جمالاتٍ لم ترها عينُ الإنسان مرَّةً، وأسمع أنغاماً لم تسمعها الأذْنُ مرَّةً، وأتمتَّع بأفراحٍ لم يذقها القلب مرَّةً... ها أنا ذي على أبواب تلك الساعة التي طالما تمنَّتْها كُلٌّ منّا. نعم! إنَّه لحقٌّ أنَّ الربَّ يختار صغار هذا العالم ليخزي كباره. أنا لا أستند إلى قواي الشخصيَّة، بل إلى قوَّة المسيح الذي قهر قوى الجحيم وهو على الصليب. أنا زهرةٌ ربيعيَّةٌ يقطِفها صاحب الحديقة ليتنعَّم بها. نحْنُ كلُّنا على هذه الأرض أزهارٌ مزروعةٌ يقطفها الله في أوانها، بعضها عاجلاً والبعض الآخرَ آجلاً... أما أنا الصغيرة القليلة الأيام، فسأذهب قبل ألجميع. وسنلتقي يوماً في الفرْدوس ونتمتَّع بالسَّعادة الحقيقيَّة.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الرابع

لم أعطِ الله يوما غير الحب

لقد أعطيتُ، منذ صباي، معرفة بأنِّي سأرحل يوماً عن بلادي المظلمة، ولم يكن اعتقادي هذا مبنياً على ما كنت أسمعه من الغير فقط، ولكن على ما كنت أشعر به أيضاً في قلبي، منْ ميلٍ باطنيٍّ وعميق، يشعرني بأنَّ مقرِّي الثابت سيكون في أرضٍ أخرى وبلادٍ أجمل، كما كان يشْعُرُ كريستوفر كولومبس بفطرته الخارقة أنَّ هنالك عالماً جديداً. أنا الآن مريضةٌ ولنْ أشفى. ومعَ هذا فأنا في سلام؛ ومنذ أمدٍ بعيدٍ سلَّمْت نفسي جملةً إلى يسوع، فما عدتُ أخصُّ نفسي... فهو إذاً حُرٌّ أن يصنع بي ما يروقُهُ. لقد وهبني شوقاً إلى منفىً أبديّ، وسألني هل أرتضي بأن أحتسي هذِهِ الكأس، فمددْتُ يدي لأتناولها، وإذا به يرجعُ يده مبيناً لي بأنَّ رضاي وحدهُ كافٍ. إنني لمْ أعطِ الله يوماً غير الحبِّ وهو سوف يعيده لي. بعد موتي سأمطر وابلاً من الورود. أشعر بأنَّ رسالتي أوشكت أن تبتدئ، رسالتي هي أنْ أجعل الله محبوباً كحبِّي له... وأن أعطي طريقي الصغير للنّفوس. أريد أن أقضي حياتي في السماء بعمل الخير على الأرض، وما ذلك بمستحيل، لأنَّ الملائكة يسهرون علينا، وهم في حضرة الذاتِ الإلهيَّة. أجل! إنني لا أذوق لذَّة الراحة حتى انتهاء العالم. فمتى قال الملاك: ((قَدِ انتهى الزمن))، فعندئذٍ أستريح،ويمكنني أنْ أفرح، إذ يكون عدد المختارين قد اكتمل.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الخامس

كنتُ مريضا فعُدتموني

إذا قدَّر لي أن أحيا أيضاً، فوظيفةُ ممرِّضةٍ تسرُّني أكثر من سواها. إني لا أريد أن أسعى وراءها، ولكنْ إذا جاءتني عَفواًً بأمر الطَّاعة، تقبلتـُها معتقدةً بأنها إنعام. ويخيَل إليَّ أنَّني أقوم بألطف ما يمكن من الحبّ، واضِعَةً نصب عينيَّ آية السيد المسيح: (( كنت مريضاً فعدْتموني)) (متى ٢٥/٣٦). إنَّ قرع جرس غرفة المرضى، يجب أنْ يطنَّ في أذنك مثل نغمةٍ سماويَّة. عليكِ أنْ تتعمَّدي المرور تحت نوافذ تلك الغرف، لتسهلي عليهنَّ مناداتكِ، وطلب خدماتكِ. أما يجب عليك أن تحسبي ذاتك خادمةً صغيرةً، خاضعةً لحكم الجميع؟ لو كنت ترين الملائكة، في أعلى السموات، ينظرون إليك تحاربين في الميدان! إنهم ينتظرون نهاية المعركة ليغمروك بالأزهار والأكاليل. تعرفين جيداً أننا نرغب في أن نكون شهيداتٍ صغيرات: فعليْنا أن نحوز غار الغلبة. فالله لا يحتقر هذه المعارك المجهولة، وغيرها ممّا هي أكثر استحقاقاً من سواها: ((ألطويل الأناة خيرٌ من الجبَّار، والذي يسود على روحه أفضل ممَّنْ يأخذ المدن)) (أمثال ١٦/٣٢).



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم السادس

رغبات لم تتحقق

كان عليَّ، يا يسوع، أن أكتفيَ بأن أكون لك عروساً، كرمليَّةً، وأصيرَ، باتحادي بك، أماً للنفوس. لكنِّي أشعرُ بأنِّي مدعوَّةٌ إلى أمورٍ أخرى. أودُّ لو أقوم بأعظم أعمال البطولة، وأشعر بشجاعة الصليبيّ المجاهد، وأشتهي أن أموت في ساحة الوغي دفاعاً عن الكنيسة. ودعوة الكاهن؟ بأيِّ حبٍّّ كنت سأحملك، يا يسوع، على يديَّ، حين تنزل من السماءِ بناءً على كلمةٍ منّي! وبأيِّ حبٍّ كنت سأقدمك إلى النفوس! ولكن وا أسفا! فمع رغبتي في أنْ أصير كاهناً، أنذهل وأتمنَّى تواضع القدِّيس فرنسيس الأسيزي، وأشعر بدعوةٍ إلى الاقتداء به، رافضةً درجة الكهنوت السامية. فكيف، إذن، يمكن التوفيق بين تلك الأضداد؟ أود، مثل الأنبياء والملافنة، أن أنوِّر النفوس. أرغب في أن أجوب المسكونة، لأكرز باسمك، وأنصِب في الأرض غير المؤمنة صليبك المجيد، يا حبيبي الأغلى! لن تكفيني رسالةٌ واحدة: أودُّ، في الوقت عينه، أن أنادي بالإنجيل في أقطار العالم كافَّة، حتَّى الجزائر القصيَّة. أود أن أكون رسولةً، لا إلى بضع سنوات، بل منذ خلق العالم، وأبقى رسولةً إلى انقضاء الدهور. آه! وفوق كل شيءٍ أريد الاستشهاد! ألاستشهاد! إنه حلم صباي! وهذا الحلم نمى معي في قلِّيَّتي الكرمليَّة الصغيرة. وهذا ضرْبٌ آخر من الجنون. فإني لا أتمنَّى نوعاً من العذاب واحداً، يشْفي غليلي، بلْ جميع الأعذبة!... أريد مثلك، يا عروسي المعبود، أنْ أجلدَ وأصلبَ... أن أموتَ مجرَّدةً عن كلَِّ شيء! وإذا وجَّهْتُ فكري إلى الأعذبة التي لم تسمع بها أذن، والتي ستكونُ، في عهد المسيح الدجّال، نصيب المسيحيِّين، ارْتَعَشَ قلبي فرحاً، وأتمنى لو تحفظ لي تلك الأعذبة. فافتَحْ، يا رب يسوع، كتاب الحياة، حيث سُجِّلَتْ أعمال جميع القدِّيسين: أتمنى لو كنت أتممتُ جميع تلك الأعمال لأجلك! ترى، ما هو جوابك على كلِّ هذا الجنون! هل توجد على الأرض نفسٌ أصغر من نفسي، ونفسٌ أضعفُ من نفسي! لكنَّك لأجل ضعفي ارتضيت بتحقيق رغائبي الصغيرة الطفوليَّة. وها أنت اليوم ترتضي بأن تتمِّمَ لي رغائب أوسع من الكون...



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم السابع

دعوتي هي الحبّ

تأمَّلت الجسدَ السريَّ، جسد الكنيسة المقدَّسة، فلم أجد نفْسي في أيٍّ من الأعضاءِ التي وضعها القديس بولس. بالأحرى، كنْتُ أودُّ أن أجد نفسي في جميعها. ألمحبَّة سلَّمتْني مفتاح دعوتي، ففهمت أنَّه، إن كان جسد الكنيسة مؤلَّفاً من أعضاءٍ مختلفة فأضرُّ الأعضاء وأشرفها جميعاً، لا يمكن إلا أن يكون. فهمت أنَّ لها قلباً، وأنَّ هذا القلب مضطرمٌ حباً. فهمت أنَّ الحبَّ وحْدهُ يدفع أعضاءه إلى العمل، وأنه إذا أوشك الحُبُ أن ينطفئ، توقَّف الرُسُلُ عن التبشير، ورفض الشهداء إهراق دمِهم، فهمت أنَّ الحُبَّ يحتوي كُلَّ الدعوات، وأن المسيح هو كل شيء، هو يضمُّ الزمان والمكان، لأنه أزلي. حينئذٍ صرخْتُ في غمرةِ فرحي السَّكران: يا يسوع حبيبي! لقد وجدت دعوتي: إنما هي الحب! أجل! لقد وجدت مكاني في حضن الكنيسة. ومكاني هذا، أنت أعطيتنيه. في قلب أمي الكنيسة، سأكون الحبَّ!... وهكذا سأكون كلَّ شيء، ويتحقَّقُ حلمي!



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم الثامن

الألم بفرح

إني بحاجةٍ إلى أنْ أنسى الأرض! كُلُّ شيءٍ في هذهِ الدنيا يُتعبني! لا أجدُ فيها إلاَّ فرحاً واحداً، وهو أن أتألَّمَ... وهذا الفرح ـ لا أشعر به ـ يفوقُ كلَّ فرح. الحياة تمضي، والأبديَّةُ تقترب! وسنحيا عمّا قريبٍ بحياة الله عينها. وبعد أن نكون شربنا من ينبوع المرارات، سنرتوي من ينبوع الحلاوات كلِّها. أجل! إنَّ شكل هذا العالم لزائل. سنشاهد، عما قريب، سمواتٍ جديدة. وتسطع شمسٌ أشدُّ إشعاعاً، ينير بهاؤها بحاراً من أثيرٍ وآفاقاً لا حدود لها... لن نكون بعد أسرى على أرض منفى، لأنَّ كلُّ شيءٍ سينتهي! سنجْري وعروسنا السماويَ على بحيراتٍ لا شواطئَ لها. على الصَّفصاف، على ضفاف نهر بابل، علَّقْنا كنانيرنا( من ١٣٦/٢)؛ ولكن، أيَّ أنغامٍ لن نطلقها يوم نعتق! وبأيِّ سرورٍ سنضربُ أوتار آلات الطَّرب! أليوم نذرفُ الدُّموع، متذكِّرين صهيون: كيف نرنِّم ترنيم الرب في أرضٍ غريبة؟(مز ١٣٦/٤). ولا نزال نردِّد ترنيم الألم. يسوع يقدِّمُ لنا كأسَ مرٍّ بالغِ المرارة، فلا نحوِّل عنه شفاهنا. بل فلنتألَّم بسلام! وإن قلتُ: بسلام، فلا أعني: بفرح، أو أقلَّه: بفرح أحسُّهُ. فلكي نتألم بسلام، يكفي أن نريد حقاً كلَّ ما يريدهُ ربُّنا.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم التاسع

إفتداء الطبيعة البشرية

لا تتوهَّمنَّ أن نلقى الحبَّ ولا نلقى الألم: لا يسعنا أن نتجرَّد من طبيعتنا، وطبيعتنا لا تقف مكتوفة اليدين. ولكنَّها تكسبنا كنوزاً وافرة. وهي لنا بمثابة خبزنا اليومي. وهي من غلاء الثَّمن بحيث إنَّ يسوع نزل على الأرض لكي يمتلكها. نرض بأن نتألم على سخاءٍ وكبر، ولا نرض أبداً أن نسقط! أيُّ وهمٍ هو هذا! ما همِّني، ولو سقطت كلَّ حين! أشعر آنذاك بضعفي، وأجد بذاك ربحاً كبيراً لي. أنت ترى يا إلهي، ما يسعني أن أعمل، إن لم تحملني على ذراعيك. وإن تركتني وحدي، فما ذاك إلا لأنك تسرُّ بأن تراني على الحضيض. فلِمَ أضطرب؟ إن شئت أنْ تتحمَّلي بسلامٍ تلك المحنة، أنْ ترضي نفسك، تعطي المعلِّم الإلهيَّ مسكناً عذباً. ستتألمين حقاً، إذ تكونينَ على عتبة بيتكِ، ولكن لا تخافي: سيحبُّك يسوع بقدرِ ما ستكونين فقيرةً! أعلم جيِّداً أنه يفضِّل أنْ يراكِ تعثرين ليلاً بحجارة الطريق، على أن يراكِ تعدين في رائعة النَّهار على دربٍ تَحِقُّ بها الأزاهير: فقد تعيق تلك الأزاهير سيركِ!.



 

قراءة من القديسة تريزيا الطفل يسوع

اليوم العاشر

سرّ القدّيسة والألم

لقد فهمت أنَّه كان عليَّ أنْ أتألَّم كثيراً، لكي أصير قدِّيسة، وأن أسعى دوماً إلى الأكْمَل، وأنسى نفسي. وفهمتُ أنَّ في سلُّم القداسة درجات عديدة، وأنَّ كلَّ نفسٍ، في جوابها على مبادرات ربِّنا، حرَّةٌ إن تعْمل أقلَّ أوْ أكثر لأجل حبِّه، وفي كلمةٍ هتفْت كما في عهد طفولتي: أخْتار، يا إلهي، كلَّ شيء! لا أريد أن أكون نصف قدِّيسة. لا يخيفني أن أتألَّمَ لأجلك، بل أخاف شيئاً واحداً، أنْ أحتفِظَ بإرادتي لنفسي. خذها، لأنِّي أختار كلَّ ما تشاءُ أنتَ؟... أمَّا ما أتيت أنشده في الكرمل، فقد صرَّحت به في الامتحان الاحتفالي الذي سبق نذوري: أتيت لأخلِّص النُّفوس، وفي الخصوص لأصلِّي لأجل الكهنة. ومنْ أراد أن يدرك الغاية اتَّخذ الوسيلة إليها. فما أنَّ يسوع قد أفهمني أنَّه سيُعْطيني، بالصليب المقدَّس، النفوس، صرت كلَّما لقيت صليباً، ازداد توقي إلى الألم... لقد عَرَفَتْ نفسي ضروباً من المحن الكثيرة، ولقد تألَّمت كثيراً في هذه الدُّنيا! في طفولتي كنت أتألم حزينة؛ أمّا اليوم، فصرت أستعْذبُ جميع الأثمار المُرّة بالسًّلام والفرح. ولقد سمح الله أنْ تكتنف نفسي الظُّلمات الكثيفة، وتصبح فكرة السماء التي كانت شديدة العذوبة إليَّ منذ طفولتي، موضوع كفاحٍ لي وعذاب! ولم تنحصر مدَّة تلك المحنة في بضعة أيَّام وبضعة أسابيع، فها أنا أتألَّم منذ أشهر. وما زلت أنتظر ساعة نجاتي. ليْتني أستطيع أنْ أُعبِّر عن شعوري! ولكنَّه مستحيل! لا يدرك عتمة النَّفق المظلم إلاَّ من قد عبر فيه. ويتضاعف عذابي، كلَّما وددتُ أنْ أريحَ قلبي المتعب بما يكتنفه من ظلمات، متذكِّرةً حياةً أبديَّةً آتية. وهل من فرحٍ أعظم من فرح الألم لأجل حُبَّك، يا إلهي! وكلَّما اشتدَّ الألم، بدا على عيون الخلق خفيفاً، وأثار ابتسامتك، يا إلهي! ولو فرضت المُحال، ونسيت أنت نفسك ألمي، سأكون أيضاً سعيدةً بأنْ أتألَّم، على رجاء أنّي، بدموعي، قدْ أمْنع، أو أقلَّه أكفِّر، خطيئةً واحدةً ترتكب ضدَّ الإيمان. ولقد أفهمني يسوع أنَّ المجد الحقَّ الأوحد هو المجد الدائم. وأفهمني أنَّ إدراكه لا يتطلَّب أعمالاً باهرة، بل احتجاباً عن عيون الآخرين. تلك الرَّغبة، قد تبدو جسورةً، إذا أخذت بالاعتبار ما كنت عليه من نقصٍ، وما زلت، بالرغم من حياتي الرَّهبانيَّة لسنواتٍ عدَّة. ولكنّي، ما زلت أشعر دوماً بثقتي الجريئة عينها، أن أصير قدِّيسةً عظيمة. لا أعتمدُ على استحقاقاتي، وليس لي منها شيء. لكنّي أضع رجائي في من هو الفضيلة والقداسة عينها. فهو وحده سيرتضي بجهدي الضَّعيف، فيرفعني إليه، ويغمرني باستحقاقاته، ويجعلني قدِّيسة. لم أكن يومئذٍ أظنُّ أنَّه كان عليَّ أنْ أتألَّم كثيراً لأبلغ القداسة. ولم تكشف إرادة الله لي هذا السرّ...