القديس شربل

 


ولد القديس شربل في قرية بقاعكفرا جارة أرز الربّ، وهي أعلى قرية في لبنان، وتبعد مئة وأربعين كيلومتراً عن بيروت شمالاً. مزاج أهل هذه القرية قد يكون على شيء من الغلظة والخشونة لكنهم مضيافون، قلوبهم طيبة ومعشرهم لطيف. وهم ككل الموارنة يعتزّون بإيمانهم المسيحي ويفدونه بدمائهم، ويمارسون فروض دينهم بلا استحياء.

عبادة العذراء عندهم أهم من كل مجد بعد مجد الله. ويمكن لزائر بقاعكفرا أن يشاهد كثرة المقامات التي رفعوها للعذراء مريم، كما بإمكانه أن يلاحظ إيمانهم بمار سابا شفيع إحدى كنائسهم الذي له منزلة رفيعة في قلوبهم بعد الله والعذراء.

القديس شربل هو الإبن الخامس لأنطون مخلوف وزوجته بريجيتا الشدياق، بعد حنا وبشارة ومكّون ووردة. ولد في ٨ أيار من العام ١٨٢٨، ودُعي يوسف عند عماده في سيدة بقاعكفرا. والمفارقة أنه في عام مولده وضع الحجر الأساس في دير مار مارون عنايا الذي سيدخله يوسف لاحقاً ليصبح الأب شربل مخلوف.

لم يكن أبوه يملك إلا قليلاً من الأرض، لكن ثروته الحقيقية كانت الإيمان المطلق بالله والتسليم بمشيئته. والدة القديس كانت رهبانية التقوى، تصلي جاثية على ركبتيها باسطة الذراعين كما الكاهن على المذبح. الصلاة العائلية عندها واجب مقدس، ومنها تعلم اولادها حبّ الصلاة. لقد كانت تصوم على الدوام ونذرت الإمتناع عن اللحم غير أن مرشدها أعفاها من النذر الصارم شرط أن تتلو المسبحة يومياً.

وردة أخت القديس، كانت هائمة بالرب ولم تكن تتخلى عن مسبحتها الوردية، وكانت تردد في صلاتها بعد أن خُطبت: "يا رب كنّو جوازي مش رح يرضيك، خليني موت قبل ما إتجوّز". وبالفعل ماتت قبل أن تتزوج.

حنا أخ القديس كان مؤمناً ورعاً. وكذلك تجلى الإيمان في عم للقديس رسم شماساً إنجيلياً واعتذرعن قبول الترقية الى درجة الكهنوت قائلاً: "الكهنوت شرف كبير ما بستحقو". وأيضاً كان للقديس خالان راهبان مستحبسان في صومعة مار أنطونيوس قزحيا، هما الأبوان أغوسطينوس ودانيال الشدياق.

إذاً إنها عائلة مسيحية مثالية ولد فيها القديس، كانت تعيش بسلام وفرح وتسأل الله خبزها كفاف يومها. ولكن هل يستمر الفرح؟

في العام الثالث ليوسف جاء العسكر التركي الى بيت أهله وبيد أحدهم رقيّم يقضي بتسخير والده أنطون مخلوف مع حماره لنقل "الموني والذخيره" للجيش من مجدليا ليبت الدين. مفاجأة صاعقة لأنطون الذي أراد الإعتراض: "بس يا حضرة الضابط نحنا ناس فقرا، لمين بدي إترك عيلتي والطفالى المعتّرين مالهنّ غيري؟". فأجابه الضابط: "هيدي مش شغلتنا، هيدا أمر. بكرا من طلوع الضوّ وإلاّ ...". فلم يعد في يد أنطون مخلوف حيلة، فسافر عند الفجر والأسى يحتل نفسه... . وفيما كان أنطون بعد انتهاء مهمته عائداً الى بيته، مرض مرضاً شديداً بعيد وصوله الى قرية قرب عمشيت فمات ودُفن فيها دون أن يعلم اهل بيته بالأمر.

شهور مضت وبريجيتا قلقة. وحين تحققت الأمر,عرفت انها أصبحت أرملة فسلمت امرها الى الله ، والى طانيوس أخ أنطون آلت وصاية يوسف . جاهدت بريجيتا في إعالة أولادها وتربيتهم تربية مسيحية فضلى. وبعد سنتين، وخوفاً من وقوع أولادها بين أشداق الحاجة، تزوجت ثانية من لحود ابراهيم من بقاعكفرا وكان ذلك في تشرين الأول ١٨٣٣.

كان لحود هذا معروف بتقواه وكان يحلم بالكهنوت، فعرض مشروعه على زوجته التي شجعته على ذلك. فلم يطل الأمر بلحود ابراهيم حتى رُسِم كاهناً متخذاً اسم ضومط. في هذه البيئة الإيمانية ترعرع يوسف فتأصل في نسكية محيطه القائمة على محبة التضحية وصلابة المعتقد والدأب على العمل والصلاة.

في السابعة من عمره تقريباً وفي مساء أحد الأعياد وخلال الزياح، دفعت الحماسة الدينية بيوسف الى المبالغة في أرجحة المبخرة حتى راح شررها المتطاير يعلق بالأيقونة وبلحية الكاهن وكان يفكر في نفسه: "هالبخور كرمال العضرا سلطانة السما والأرض". بعد الزياح ردّ يوسف حصة البخور الى مكانها لكنه نشل منها حفنة ودسها خلسة في جيب سرواله!؟؟؟

القديس التلميذ والراعي

كان يوسف يتوجه كل صباح الى مدرسة القرية الملتصقة بالكنيسة والتابعة لها. في الشتاء كانت المدرسة عبارة عن غرفة مستطيلة تدعى "المد"، وعندما يعود الطقس دافئاً كان ظلّ السنديانة التي تفرد اغصانها في باحة الكنيسة هو مجالها الأرحب. كاهن الرعية نفسه كان المعلم في معظم الأوقات. وفي هذه المدرسة تعلم يوسف ترتيل المزامير والقراءة والكتابة والصلوات، وكانت اللغة الآرامية اللغة التي تكلم بها السيد المسيح، ولغة الطقوس المارونية تحتل المقام الأرفع في التعليم. وكان على يوسف كما على الموارنة جميعاً وقتها أن يرتل الفرض على "القرّاية" منذ سنته العاشرة. الشهادة الوحيدة التي كان يحلم الطالب بنيلها هي شهادة الخوري بأنه أصبح يجيد قراءة اللغة الآرامية وتأدية الخدمات الدينية في الكنيسة.

إضافة للمدرسة كان يوسف يتمرس على أعمال الحقل كما كان عليه أن يرعى بقراته وأغنامه في ذلك المدى الفسيح البعيد عن مسالك الناس. هناك حيث راح يوسف يقود قطيعه الصغير.كان يشعر في غمرة السكون بالحضور الإلهي. هناك كان يحسّ بحرية أكبر وارتياح أعمق وكان يشعر بخشوع الطبيعة أمام عظمة الله التي كانت تدفعه الى السجود ساعات طويلة بغبطة وفرح، إلا أن يوسف وقد أصبح في الرابعة عشر، لم يكن يريد أن يتعرض أكثر لتهكمات رفاقه الذين بدأوا يدعونه القديس وإن مزاحاً. ففكر في اللجوء الى مغارة مجاورة تحجبه عن أنظار الفضوليين وتمكنه من الصلاة بالخشوع الواجب. فدأب يوسف على الصلاة في المغارة. في أحد الأيام وعوض عن التلهي مع رفاقه بأكل عرانيس الذرة المشوية واللعب أخذ يوسف يبتعد عنهم نحو مغارته بعد أن زوّد بقرته بالتوصيات اللازمة: "هلّق يا غزالي بدك تقعدي عاقلي، أنا رايح صلّي...". نسيبة يوسف مريم سألت رفاقه عنه: "دخلكن يوسف وينو؟ حدا شافو؟". فأجابها أحدهم: " مش عارفي حضرتك إنو ما حدا بيعرف وينو؟ يمكن راح عمغارتو يقدس ويصلي، بكرا بياخدك معو عالسما...". عاد يوسف متهلل القسمات فأحاط به الرفاق وأعطوه عرنوساً مشوياً ثم انصرف كلٌّ الى ألعابه وظلّ يوسف وحده. عندئذٍ تناول يوسف حبة من النار وطار الى المغارة. هناك أخرج من جيبه حفنة البخور التي نشلها من الكنيسة وأحرقها أمام صورة للعذراء مردداً: "دخيلك يا عدرا يا قديسة مريم إمي البسما عندي فكرا حلوي بس بالأول بدي شاور خوالي بمحبسة قزحيا...".

قلبه للرب

كان خالا يوسف أغوسطينوس ودانيال الشدياق راهبين في دير مار أنطونيوس قزحيا. وبعد أن أظهرا دلائل على حياة تقشفية خارقة، سُمح لهما بالإعتزال في محبسة الدير حيث راحا يقضيان العمر في التفرغ من أهواء الدنيا والجسد وفي التأمل بكمالات الله. كان يوسف يزور تكراراً خالاه معجباً بحياتهما المنفردة متمرساً على أيديهما بأعمال التقشف والصلوات وأعمال البرِّ. واطّلع منهما مطولاً على تاريخ الرهبانية العظيم وأصغى إليهما بصفاء بالٍ: " من أراد أن يجد الله ويحيا في صداقته الحميمة وجب عليه أن يبتعد عن ترّهات العالم وأن يخشع في نفسه. الراهب هو الزاهد في الدنيا، الكافر بنفسه، الحامل صليبه، تابعاً يسوع المسيح في طريق الذبيحة والمحبة...".

كان كلما زار خالاه ازدادت رغبته في الإقتداء بهما وإتباع نهج حياتهما.لقد أصبح الآن يدرك غاية حياته: أن يكون مع قربان المسيح قرباناً. لم يعد في الدنيا شيء يستهويه. شيء واحد يستحق الإهتمام: أن يصبح قديساً.

في الخامس عشر من آب 1848 بقاعكفرا تحتفل بعيد انتقال العذراء ويوسف يشرف على ربيعه العشرين. في العيد تزدهر الأفراح الشعبية وتحلو إقامة الأعراس في القرية. الشبان والصبايا يرتدون أفخر الملابس وينتظمون أمام دار العروسين مشاركين في الدبكة. القرية تحضر لتهنئة العروسين ويوسف كذلك برفقة أمه بريجيتا.

تقول له أم العروس: "وأنت أيمتى دورك يا يوسف؟". فيجيبها: " آه أنا!؟". فتغمز يوسف وهي تلتفت الى مريم قائلة: " أنا بعرف بنت...". فينسحب يوسف مطرقاً، فتلحق به أمه وتقول: " لوين يا يوسف؟ بعدو العرس بأولو. هلق بيجرسونا". فيجيبها بلطف: " دخلك يا إمي! ما عاد معي وقت. أنا رايح عالقادومية...". فيذهب عبر التلال متهلل الوجه كأنه نجا من غرقٍ في بحر هائج.

في المساء أتت مريم تعين بريجيتا في العجن والخبز، فسألتها الأخيرة وهي تعلم أن مريم تكنّ ليوسف عاطفة أبلغ من عاطفة الصداقة: " شو يا مريم؟ شايفتك مهمومة وملبكة!؟". فتجيبها مريم: "بيضل دايماً هربان. شارد ودايماً غايب. كنو مش إبن عمي". فتقول بريجيتا: "إنت عارفي يا بنتي كيفو عايش.أعز شي عقلبو الكنيسة والحقلة.نحنا بحاجة لزنودو. ولولا منو شو منعمل؟". فتقول مريم: " صحيح قديشو قوي وعندو جلد عالشغل وقديشو شب حلو". فتقول بريجيتا: " شو؟ شو؟ عينيك عم يلمعو. في شي سرّ يا بنتي؟ خبريني". فطأطأت مريم رأسها خجلاً فيما كانت بريجيتا تنظر إليها مبتسمة.

الرب يناديه

في يوم من الأيام وبينما كان يوسف يرعى عنزاته بعيداً جداً باتجاه الأرز، شردت واحدة منها فأخذ يبحث عنها قلقاً متسائلاً: " يا ربي بحياتك كيف راحت هالعنزة؟". أخذ يوسف يمشط الروابي والأودية بحثاً عنها الى أن بلغ السور المحيط بغابة أرز الرب فقفز الى الداخل حيث أدهشته عظمة هذه الأشجار الدهرية، ثم تلفّت فوجد مزاراً صغيراً محفور في جذع شجرة، فجثا على ركبتيه يصلي. فجأة ظن أنه سمع صوتاً يناديه, أقوى من أي يوم مضى, وأكثر إلحاحاً من أي وقت: " أترك كل شيء وتعال فاتبعني...".

لقد دنت ساعة الإجابة العظمى. لقد كان على الفتى أن يختار إما أن يلبي نداء الأرض فيتزوج ويعش إنساناً وإن بإيمان رهباني غير عادي، وإما أن يلبي نداء الله فيمشي في طريق توصله الى حيث رغبته الدفينة كما كان يقول دائماً: "دخلك يا ربي خليني حصتك وخليك حصتي طول عمري. إنت وحدك محبتي وسعادة قلبي".

لم يتأخر الفتى في الإختيار: أراد هجر العالم والرحيل باتجاه دنيا جديدة، سواد الليل فيها أكثر نوراً من منتصف النهار.

في فجر ذات يوم من عام 1850 انسلّ شبحاً مستتراً من بقاعكفرا مسافراً باتجاه مغيب الشمس. هذا الشبح لم يكن سوى يوسف مخلوف المصغي الى صوت الله.

لم يشعر أحد بعزمه على الترهب في تلك الفترة، حتى والدته التي أحبها كثيراً والتي لم تكن لتعترض على مشيئة الله.

ان حب بريجيتا لولدها الأصغر ورغبتها برؤيته على الدوام جعلاها غير واثقة من حقيقة دعوته الرهبانية. إضافة لذلك فإن عمه ووصيّه لم يكن يريد لإبن أخيه الترهب طمعاً بعمل ساعديه القويتين. لهذه الأسباب اضطر يوسف الى أخذ قراره والخروج من القرية دون وداع، دون ضمة من أمه، دون قبلة من إخوته وأخواته، دون كلام. ذهب والأسى في قلبه. ثلاثة وعشرين ربيعاً مليئة بالسعادة والبساطة والذكريات الغالية تركها وراءه وقرر أن يبدأ عمراً جديداً، عمراً حقيقياً مع الله.

الطريق عبر جبال تنورين وأودية دوما طويل وشاق. ما همّ إنه يلبي دعوة الله... ولم يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة إلا وكان قد أعياه التعب والجوع والعطش. في تلك اللحظة أتاه المجرب يقول: " لوين يا يوسف؟ عالدير؟ وإمك وإخوتك وخياتك. كلن بالضيعة بيحبوك وأكتر من الكل مريم. رجاع تجوز بعدك بعزعمرك. كلّك قوة وذكا ودرب الدني ورد، ليش رايح تدفن شبابك بالدير بكفن أسود؟ بالدني كمان بتقدر تخلص نفسك. غيّر فكرك ورجاع عالضيعة أحسن ما تندم. رجاع ,رجاع...".

لاحت أمام يوسف ابتسامة المسيح فتذكر حديث خالاه عن أفخاخ الشيطان وعن وسائط تجنبها. تسلّح يوسف بعلامة الصليب ومشى مغمور بدموع الغبطة. بسمة إلهية واحدة تعوضه حنان الدنيا وأهلها.

فجأة ينبسط أمامه وادي ميفوق الأخضر وتلوح بيوت شبيهة ببيوت بقاعكفرا ويطل دير سيدة ميفوق أحد أجمل أديرة الرهبانية المارونية اللبنانية، حيث سيقضي يوسف سنة إبتدائه الأولى بين عامي 1851- 1852.

أخيراً وصل يوسف الى دير سيدة ميفوق. وعندما تقدم من رئيس الدير سأله هذا الأخير:

- " شو جايي تطلب برهبنتنا؟".

فأجابه يوسف: "جيت أطلب مجد الله وخلاص نفسي".

- "بس إنت عارف يا بني صرامة الحياة الرهبانية وقهر الذات الواجب ع طالب الرهبنة".

- " بنعمة الله ودعاك يا بونا الريس. أنا مستعد قوم بالواجب".

- " ما دام هيك، تشجع يا بني، الله معك".

ثمانية أيام هي المدة التي يستطيع خلالها طالب الترهب أن يحتفظ بثيابه الدنيوية فيخالط المبتدئين ويشاركهم أعمالهم. في هذه المدة قرأ يوسف قانون الإبتداء بانتباه كلي وتوقف بلا شك عند البند التالي:" على المبتدىء افتداءً بسيدنا يسوع المسيح أن يطيع بسرعة وفرح وأن يتخذ رئيسه بمنزلة المسيح. وليعلم أن غاية الطاعة إنما هي إماتة الإرادة الذاتية من أجل التعلق المطلق بإرادة الرب التي يعلنها بفم الرئيس". وهذا تماماً ما فعله القديس طيلة سبع وأربعين عاماً.

ذات أحد ارتدى يوسف ثوب الإبتداء. كان مسموحاً له أن يحتفظ باسمه لكن القديس أراد أن يتخلى عن هذا الإسم قطعاً لكل علاقة بينه وبين ماضيه وذكرياته، فاختار إسم شربل وهو إسم لشهيد من كنيسة أنطاكية تعيّد له الكنيسة المارونية في الخامس من أيلول من كل عام.

في هذه الأثناء في بقاعكفرا، عبثاً بحث عنه ذووه الى أن سألوا خاله الأب أغوسطينوس فأخبرهم ما لا تكاد بريجيتا أن تجهله: "يوسف راح ع الدير يترهّب". بكت بريجيتا لكن إيمانها شدّ من عزيمتها، أما عمه طانيوس فلقد هاله الأمر خصوصاً أنه يعتمد على قوة ابن أخيه في العمل فأراد أن يذهب حتى ميفوق ليعيد معه الشاب الأحمق الهارب... وما أن وصل الى الدير ومعه بريجيتا حتى بادر الأب الرئيس بالقول: " يا بونا الريس، نحنا الفلاحين الفقرا ما فينا نستغني عن شب متل يوسف! بدنا نشتغل ونعيش. شو الله بيطلب من الإنسان يترك أهلو بدون رضاهم، أهلو النزفو دم قلبن تَ ربوه؟". وما أن وصل الأخ شربل حتى عاجله العم مهدداً: "آه، هادا إنت يا قديس! متصور إنك بتحب الله وقت البتبغض أهلك! واجبك إذا بتعرفو، تكون حد إمك تساعدا تَ تعيش! نحنا صرنا ختياريي، مين لنا غيرك؟ شو؟ منحمل كيس ومندور ع الشحادة؟".

بريجيتا: " قديش تحملت من العذاب تَ ربيتو وهلق وقت الصار قادر يسعفني وأنا ع حفة قبري بيتركني من دون ما يقول بخاطرك يا إمي! كنا مدبرينلو عروس... مريم من يوم التركتا دموعا نازلين...!"... .

- فقال شربل: " إمي، عمي! محبتكن غاليي ع قلبي، أنا ما بجهل قديش مديون إلكن، بس بحيث الله طالبني إلو وحدو ما عاد إقدر، ما بقاتكن تقدرو تقولو لأ".

عندها أخذت أمه يديه بيديها, وقالت له والألم يحز في قلبها: " إذا كنت مش رح تصير راهب منيح أحسن ترجع معي عالبيت، بس انا عارفي الله رايدك لخدمتو ورح قلك ولو كان قلبي موجوع، مستسلمة لإرادة الله: الله يكون معك يا ابني ويباركك ويصيرك قديس".

سنة أولى ابتداء

الإبتداء امتحان وتجربة، لا يصمد فيه سوى المدعو حقاً من الله. سنتين من الطاعة والعزيمة والإرادة والإندفاع يحتاجها المبتدىء ليكتسب ثقة رؤسائه. فعليه أن يغسل الثياب وأن يصنع الخبز وأن يحيك الأثواب. بالإضافة الى أعمال النجارة والفلاحة. هذا طبعاً عدا عن ترتيل الفرض سبع مرات في اليوم وصلاة منتصف الليل والتأمل والتمرس بأعمال التوبة وقهر الذات. ولا بد من الذكر أن بعض المسؤولين المشرفين على أعمال المبتدئين كانوا يعتبرون أن القسوة على هؤلاء ضرورية للتثبت من دعواتهم. لم تكن قسوة لتثني شربل عن دعوته بالطبع،إلا أنه كان عليه لكي يجيد القيام بالطقوس الخورسية والألحان الكنسية، أن ينسى ما كان قد اعتاد على أدائه بطريقة خاطئة في قريته وأن يتلقن عوضاً عن ذلك الألحان والطقوس الرهبانية الأصيلة. صامتاً وعنيداً كان يعمل، مقتدياً بأفضل الرهبان العائشين حوله. كان يصرف جهده قبل كل شيء على الإلتزام بالطاعة التامة وتقبل توجيهات المرشد الروحي بفرح وسلام.

في عنايا

انتهت سنة الإبتداء الأولى وأصبح لزاماً على الأخ شربل أن يتوجه الى دير مار مارون عنايا لكي يستعد لإبراز نذوره الأولى. هناك كان الأخ شربل يتطلع الى تلك المحبسة المتموضعة بين الكروم والسنديان، تلك المحبسة التي بُنيت عام 1798 بسعيٍ من الشابين الإهمجيَّين يوسف أبي رميا وداوود خليفة الذين استحبسا أنفسهما وعاشا في توية وصلاة وزهد، ومن ثم انضما الى الرهبانية المارونية اللبنانية ووهبا المحبسة لدير مار مارون المجاور. لكن قبل ذلك كان على الأخ شربل أن يبرهن في سنة الإبتداء الثانية عن جهد أكير في الكفر بالنفس أي في مغالبة الأهواء ومحاربة التجارب وإماتة الحواس وتطويع الجسد والتوق الى التضحية. ككل المبتدئين، كان عليه خلال أشغال الحقل أن يلزم الصمت مفكراً بالسماء زاهداً بالدنيا. كان الأخ شربل ماهراً في الإصغاء، يجاوب إن سُئل بإيجاز ووداعة. أما إن سُئل عن أمر تافه، فيكتفي بإيراد العبارة المألوفة في الرهبانية: " غفرلي ميشان المسيح". لقد كان مصمماً على تنفيذ القانون بشكل تام ومن ثم أصبحت نفسه تسمو على الفريضة وتفرض ما هو أقسى عليها، حتى تظل روحانيته سائرة في ارتقاء متواصل باتجاه الله.

إبراز النذور

بنهاية سنته الإبتدائية الثانية أي في العام 1853، وصل الأخ شربل الى مرحلة إبراز النذور الثلاثة وهي الطاعة والعفة والفقر. في المساء الذي سبق يوم النذور، خرج المبتدئون بعد العشاء الى غرفهم وبقي الناذرون وحدهم. سأل رئيس الديرالأب أنطونيوس الباني كل رهبان ديره الحاضرين: "معتقدين يا إخوتي بضميركن ووجدانكن إنو الأخ شربل مستحق تقبل الرهبنة ندوراتو؟". ومن ثم مرّ معلم المبتدئين وفي يده قبعة مبتدىء أمام الرهبان واحداً فواحداً ليضعوا فيها إما حبة قمح كعلامة على موافقتهم وإما حبة شعير كعلامة للرفض. في تلك الليلة لم يُعثر على أي حبة شعير، فقد أجمع الرهبان على قبول الأخ شربل. في اليوم التالي قبل القداس خرج الأخ شربل من السكرستيا مع رفاق مبتدئين بثياب بيضاء وأقدام عارية تتبعهم جوقة الخورس والأب المحتفل بالذبيحة يرنمون مزمور الخمسين، ثم بدأ القداس الإحتفالي. تقدم الأخ شربل من مذبح الرب جاثياً لافظاً بصوت واثق نذوره الرهبانية، فانضم بذلك الى هؤلاء الذين أرادوا أن يصبحوا قرباناً متواصلاً يضحوا فيه بأنفسهم في كل لحظة وساعة ويوم. قهر الذات والتضحية بها والطاعة أبرزها شربل في مثال سريع عندما جاءت أمه بريجيتا تزوره في تشرين الأول عام 1853، فخاطبها من وراء نافذة تعلو ثلاثة امتار دون ان يراها أو تراه. ولما اشتكت الوالدة بوجع: "هيك يا بني بتحرمني شوفتك؟". أجابها: "بكرا منلتقي بالسما ومنشوف بعضنا". بالطبع شربل لم يكن يعاقب أمه أو يتصرف بشكل لا إنساني. شربل كان يتحرق لرؤيتها ، إلا أن القانون هو صوت الله في أذن الراهب ووجدانه: " يجب على الراهب أن يمتنع عن معاشرة النساء ومحادثتهن حتى ولو كنّ من الألزمين".

الى كفيفان

ذات مساء استدعاه رئيس الدير وقال: "يا بني، مدة ابتداك خلصت. قدس الأب العام عينّك تلميذ تتكرّس وقتك للدرس اللازم للكهنوت. بكرا الصبح بكير بتروح ع دير كفيفان". قبل الفجر سافر شربل برفقة أحد زملائه. بعد ساعات من السير، وصلا الى دير مار قبريانوس في كفيفان، وكان حوالي خمسون راهب يختتمون صلاة الصبح في الكنيسة، فقرأا معهم التبشير الملائكي. بعد فحص الضمير خرج الجميع إلا راهب ظلّ جاثياً على ركبتيه فأسرّ رفيق شربل في أذنه مشيراً الى الراهب الجاثي: "هيدا بونا نعمة الله الحرديني، مسمايينو قديس كفيفان".

في النزهة كان التلامذة يتحدثون فراح أحدهم يرمق الأخ شربل ويعلق مازحاً: "شو مسكين هادا! محسب الإبتدا خُلِص. مش عارف منتظرو إبتدا جديد. لم يكن هذا التلميذ يعلم أن الأخ شربل يتعب إذا ارتاح ولم يكن يدرك أن الواقف في حضرته سيصبح علماً من أعلام البطولة النسكية .

في كفيفان راح الأخ شربل ينكب على دراسة اللاهوت النظري والأدبي ويطّلع على كنوز آباءالكنيسة وعلى سير الرهبان القدامى. وكان على رأس مدرسة كفيفان الأب نعمة الله القدوم الكفري العالم باللغة الآرامية الذي أخذ يخرج الكنوز المكنونة في أسفار آباء الكنيسة لتلامذته فجنى منها الأخ شربل خلال سني دراسته الست معرفة ومحبة عميقة للأسفار الإلهية التي أضحت منارة لحياته الروحية. كان الأخ شربل مولعاً بقراءة كتاب "الإقتداء بالمسيح" وكتاب "أباطيل العالم" وكتاب "بستان الرهبان" وكتاب "أمجاد مريم" التي ذاق منها لذة لم يجدها في شيء من مباهج الأرض فتوطّد في قلبه الرجاء وتأصلت في كيانه المحبة فكبرعقله واتّسع عنده نطاق المعارف حتى صرّح يوماً أستاذه الأب نعمة الله الكفري: "إن أمهر تلامذتي في معرفة اللاهوت هو الأخ شربل".

مع الحرديني

سنوات ستّ في كفيفان تلقن فيها الأخ شربل كيف يكتسب الفضائل وكيف يحاك على نولها عمر القديسين خصوصاً أنه عاش بقرب الأب نعمة الله الحرديني الذي أطلق عليه معاصروه سلفاً لقب "قديس كفيفان". الأب الحرديني كان أحد أولئك الرهبان المولعين بأشياء السماء حتى الهيام. كان المطلوب واحد في نظره: حفظ القانون الرهباني. فراح يتفانى في الحفاظ على هذا القانون حفاظاً جعل الخاصة والعامة يرون فيه الراهب القانوني بل القانون الحي. كانت عقيدة الحبل بلا دنس التي لم تكن حددتها الكنيسة بعد, نقطة دائرة عبادته المريمية. وقد كافأته العذراء مريم بدعوته الى السماء في الأسبوع المكرس للحبل بلا دنس (14 كانون الأول 1858). ذات يوم باح شربل لمعلمه: "قديش حظي كبير أنا الفلاح البسيط صير كاهن". فأجابه معلمه الجليل:" هلّي بدو يصير كاهن يا بني بدو يصير مسيح تاني. ما فيش درب بتوصّل إلا درب الجلجلي. طلاع عهالجبل يا بني ولا تخاف، المسيح بيعينك". هذه الوصية لم ينسها طالب القداسة فسار في طريق الجلجلة الى أن صار قديساً.

القرية تنادي الكاهن

بعد وفاة الأب الحرديني بسنة تقريباً مُنح الأخ شربل سر الكهنوت في بكركي بناء على أمر من البطريرك بولس مسعد في 23 تموز 1859، وكان شربل آنذاك في الحادية والثلاثين. ليس معروفاً أين احتفل الكاهن الجديد بقداسه الأول، إنما جرت العادة أن يحتفل به أولاً في ديره الخاص أو بناء على إذن صريح في القرية التي وُلد فيها. فهل ترى عاد شربل الى قريته؟

بعد أن رُسم كاهناً تلقى الأب شربل أمراً بالعودة الى دير عنايا حيث سيعيش فيه ستّ عشرة سنة بين إخوته الرهبان قبل أن يعتزل نهائياً في المحبسة على قمة جبل التجلي.

في عنايا انتظرته مفاجأة. فأهل قريته أتوا الدير لتهنئة الكاهن الجديد برفقة والدته المسنّة التي لم تتمكن من الذهاب الى بكركي لحضور الرسامة. فعزّ عليها أن تحرم من ضمة إبنها الكاهن الى صدرها ونيل البركة. وكان من ضمن الوفد أخوا الأب شربل وعمه طانيوس ونسيبته مريم التي كانت قد تزوجت. باحترام لثم الجميع يد الكاهن الجديد ثم بادره أحد رفاق الصبا بإسم الجميع بطلب عزيز: "جايين باسم الضيعة, بإسم الصداقة والمحبة نعزمك عقداس برعية أهلك. قديش فرح إمك وأخوتك والضيعة بيكون كبير إذا قبلت العزيمة". وحبس هؤلاء أنفاسهم بانتظار الجواب. ما تراه يكون جوابه ذلك الذي قطع عهد على نفسه ومع الله بالزهد في الدنيا واعتزال الأهل والأقارب والأصدقاء واتخاذ الله نصيباً مؤبداً دون الكون جميعاً. فهل يصمّ أذنيه عن سماع كلام المسيح؟: "من أحبّ أباً وأخاً أو أختاً أكثر مني فما يستحقني". لا لن يتزحزح عزمه ولن يعود لدنيا هجرها مقتنعاً بأن أمجادها أوهن من خيوط العنكبوت. فما كان من بطل التقشف والكفر بالنفس إلا أن هزّ رأسه رافضاً: "الراهب اللي بيترك ديرو وبيروح لعند أهلو، ما لزوم يرجع يترهب من جديد". قاسٍ مرة أخرى ولاسيما أن تقاليد الرهبانية تسمح للراهب بزيارة أهله في مثل هذه الظروف. لكن شربل لا يرغب أن يكون راهباً عادياً. هو يريد أن يكون مسيحاً ثانياً كما قال له الأب الحرديني. فالراهب الذي يخرج من الدير يشبه السمكة التي تخرج من الماء بحسب كتاب "الإقتداء بالمسيح". القديس يعيش في دنيا وراء دنيانا ويرى خلاف ما نرى. لأفعاله دوافع غير الدوافع التي تقرر أفعالنا. ترى ألا يستهويه احتفال بقداس في الكنيسة الصغيرة حيث قضى 23 عاماً من عمره؟ أجل ولكنه ضحّى بالعودة الى مراتع شبابه لان الطيور لم تهجر أعشاشها إلا رغبة في الطواف في دنيوات جديدة يجهلها أولئك اللذين لم يبارحوا المكان.

شربل المطيع

يكاد معاصرو الأب شربل لا يعرفونه إلا بالراهب المطيع. ويروي لنا رئيسه الأب نعمة الله نعمة الخبر التالي: "كان الأب شربل يشتغل والرهبان في الكرم. عند الأصيل ذهبت أزورهم، فوجدت الأب شربل ينكش في إحدى الزوايا حيث لا يستطيع رفقاؤه أن يروه. فسألته: تغديت يا بونا شربل يَوْ بعد؟. فأجابني:" لا يا بونا الريّس، بعد ما ندهونيش". كان صائماً منذ ثلاثين ساعة لأنه لم يكن يتناول سوى وجبة واحدة في النهار. وأيضاَ روى لنا الأباتي اغناطيوس التنوري ما يلي: "كنت اعمل رياضتي الكهنوتية في محبسة عنايا على زمان الأب شربل، وكنت من المعجبين بفضائل هذا الحبيس ولاسيما الطاعة. إني لأذكر جيداً أن رفيقه الأب مكاريوس ناداه ذات يوم وكان الأب شربل ينقب في الكرم. فحينما سمع رفيقه يناديه، كان رافعاً معوله ليضرب به الأرض، لكنه من غير أن يدعه يهوي لبّى النداء ومشى حاملاً المعول في الهواء"!!.

طاعة شربل أصبحت كطاعة طفل لوالديه مع فارق أن الطفل يبكي عندما يجوع اما شربل فصامت. لم يكن يكتفِ بإطاعة رئيسه بل شملت طاعته كل مبتدىء وأخ وخادم في الدير. كان يطيب له أن يقوم بأشغال الدير الوضيعة. لم يكن أحد يسمعه يتذمر من رئيس أو مرؤوس. فراح يفني نفسه في الطاعة حتى قال رئيسه عند تسجيل وفاته ان طاعته ملائكية لا بشرية.

شربل العفيف

لجأ الأب شربل في جهد مستمر لتجنب الأسباب التي قد تشدّ نفسه الى الميول الإنسانية. وكان سلاحه إنضباطًا عنيداً متنوع الألوان:صلاة مستمرة ورقابة شديدة على حواسه وفقاً لفريضة القانون :"يجب على الراهب قمع الحواس يشكل مطلق."كل من عرفه شهد بأنه في حياته الرهبانية كلها لم يتفرس في وجه إنسان.رأسه وجبينه مستوران أبداً بإسكيمه المنسدل على عينيه حتى يكاد لا يبصر طريقه.حين يتلقى الأمر بزيارة مريض كانت النساء يتوارين من أمامه أو ينحرفن عن طريقه علماً منهن بصرامة القوانين:"يجب على الراهب أن يعتزل النساء حتى الأهلين."

ومع ذلك فإن الشيطان الذي تجرأ على تجربة المسيح بالذات حاول تجربته. ويخبرنا الأب سمعان الأهمجي عن ذلك فيقول:"ذات يوم بينما كان الأخ بولس المشمشاني يحرث الحقل,سمع الأب شربل الذي كان يشتغل على مسافة منه يستغيث,يصرخ. ترك الأخ محراثه وهرع نحو الصوت. رأى الأب شربل هادئاً ساكتا. سأله"بك شي يا بونا شربل؟"أجابه:"ما شي ما شي."عاد الأخ الى عمله وبعد هنيهة سمعه يصرخ ثانية,فأسرع إليه من جديد يسأله:"ليش هالصراخ,شو صايرلك,بقدر بساعدك بشي؟ قللي شو بك؟ تمتم الأب بصوت خافت وبهدوء:"عذرني,جتني تجربي وضايقتني ,صلي منشاني." لم نعرف ما هي التجربة لكنها من دون أدنى شك كانت عاصفة عنيفة لم تلبث أن سكنت وساد مكانها سلام المسيح.

شربل الفقير

لقد عاش شربل كأفقر الفقراء سواء في لباسه أو في طعامه أو في مسكنه.عاش العمر مولعاً بالفقر حتى الهيام . كان كلما استطاع الخيار ينتقي الثوب الرث الخشن .وفي غمرة البرد والثلج على علو 1300 متر ما كان ليرتدي إلا ثوب الصيف.كان يتناول طعاماً قد يرفضه الفقراء المعدمون فلا يخص نفسه إلا بفتات الخبز المحروق واليايس والثمار الرديئة.أما اللحم فلم يذقه الأب شربل طوال حياته الرهبانية.لم يتقاض في حياته قرشاً من أحد ولا هبة ولا لقمة عيش ولا ثوباً ولا عصا.وبهذا الصدد يقول الأب يوسف إبراهيم :"كلفني أحد المؤمنين بتسليم حسنة قداس الى الأب شربل,وحينما قدمت له النقود رفض أن يأخذها. لكنني أوضحت له ملحاً أن نية المعطي هي أن أسلمه إياها يداً بيد. حينئذ مد يده بطولها, فوضعت عليها الدراهم ,فسار ويده ممدودة الى رفيقه وقال, دون أن ينظر كم هو المبلغ:"تفضل خود هادا."

كان تجاه خيرات الدنيا ,مترفعاً كالنسر لا يهوي إلا لإلتقاط معاشه حتى إذا ما نال قوتاً إرتفع في الجو تاركا خيرات الأرض جميعاً لأهل الأرضً.شربل وجد الدرة الثمينة التي يذكرها الإنجيل ,والتي باع ما دون الله واشتراها.

 

  Home
الصفحة الرئيسيّة