|
الحبر
الأعظم يوحنا بولس الثاني
" كارول جوزيف فويتيلا " الشهير باسمه البابوي - البابا يوحنا بولس الثاني ,
بولندي الجنسية وواحد من اكثر الوجوه ألفة ومحبة في العالم , حيث اقتفى من خطى
القديس بولس نمطا لحضوره واسلوب لحياته وجاذبية لشخصه. فهل سيسدل الستار على
عهده بعد وفاته في الثاني من نيسان ٢۰۰٥ وتشييعه بجنازة اسطورية تاريخية اصبحت
شاهدا " حيا " على رحيل رجل تخطى صفته الدينية كصاحب نفوذ وسلطة الى صفته
الانسانية البحتة النابعة من الضمير والذات الصادق , حضرها العديد من زعماء
العالم ورؤساء الدول واكثر من مليون مؤمن احتشدوا لوداع قداسته في ساحة القديس
بطرس بحاضرة الفاتيكان
؟
ام سيسلط الضوء وللابد على تاريخه المفعم والمليء باللمسات الانسانية والمواقف
السياسية والمبادئ الدينية , وعلى قداسة
حياته وانجازاته كالحبر الاعظم ورأس الكنيسة
الكاثوليكية لمدة ستة وعشرين عاما ونصف العام , التي بها دخل التاريخ من اوسع
ابوابه كأحد الذين حفروا في صخورها وبنقوش قد تكاد لا تخلو من التناقضات ؟
فمسيرة البابا كانت مليئة بالحقائق ومتميزة بالانجازات , وقد ساعدت جوانب
شخصيته البسيطة والانسانية على تواصله من على بعد مع كل المؤمنين في جميع انحاء
العالم وآمن بان اللقاء المباشر مع الحشود الدينية هو السبب الاول والاهم
لارتفاع مؤشر التديّن للذين يتمكنون من رؤية البابا مباشرة حيث قام على كسر
الحواجز البروتوكولية التي كانت تفصل بين القيادة (اي الفاتيكان) المتمثلة
بالبابا والعامة من الناس المتمثلين بالشعوب المختلفة والمنتشرة
في بقاع الارض.
واتخذ من جولاته حول العالم للقاء المؤمنين واقامة الصلوات الدينية سبيلا ,
لتحقيق هدفه موظفا , زياراته للصالح العام ولحل بعض المسائل العالقة في مختلف
الارجاء , حاملا رسالة السيد المسيح عليه السلام الى شتى انحاء العالم حيث زار
مئة وعشرين دولة مختلفة مما جعله معروفا على المستوى الدولي , وساعده في ذلك
اتقانه لسبع لغات , بالاضافة الى اللغة اللاتينية وهذا ما حققه فعليا في
الفلبين عندما احتشد ما يقارب اربعة ملايين شخص في صلاة جماعية الا ان جولاته
الكثيرة وبالرغم من ايجابياتها الي تعود على الوضع الديني المسيحي في العالم
بالفائدة الا انها جعلته هدفا
لمحاولة الإغتيال المباشر, وهذا ما تحقق في عام ١٩٨١ حيث
اصابه قاتل مأجور بعدة طلقات نارية ويدعى "محمد علي اغا" التركي الجنسية , وظل
يعاني من اثار جروح الاصابة حتى تاريخ وفاته بالاضافة الى مرض التهاب المفاصل
والرعاش ( باركينسون ) الذي اصابه قبل عدة سنوات .
ان شخصية البابا كانت شخصية مرهفة الحس , فهو صادق ومحب للغاية , رافضا للظلم ,
ومجانبا على الدوام للحق اينما كان , وهذا ما نراه جليا في مشيرته الشخصية حيث
نشأ البابا يتيما , وكانت تربيته صارمة ومتدينة . توفيت امه واخوه في الرابع
عشر من عمره , فترعرع محبا للشعر والرياضة والتزحلق الجليد والتمثيل , كما انه
عشق خشبة المسرح والادب , فتولدت لديه رقة المشاعر والمحبة الجياشة والانسانية
المفرطة . ولكن لم يكن طريقه مفروشا بالحرير , فقد
أثيرت حوله عدة تساؤلات منذ
بداية توليه منصبه البابوي لاسباب عديدة اهمها:
١- انه اول بابا اعتلى
السدة البطرسية وهو من جنسية غير ايطالية منذ ما يقارب عن
اربعمائة وست وخمسين سنة من عمر البابوية .
٢- لقدومه من بلد عرف عنه انه منطلق الزعماء اليهود في اوربا وانه من اصل يهودي
.
٣- موت البابا السابق له بظروف غامضة وخاصة انه لم يمض على تسلمه المنصب
البابوي سوى ٣٣ يوما , فقط مما اثار حوله الشبهات بانه مدعوم
من جهة ما .
اما البابا والمجال السياسي فكان لابد للفاتيكان من دور في الساحة السياسية
يقومون به قداسة البابا سواء كان الدور الذي لعبه ظاهرا للعيان , او خفيا مارسه
قداسته عبر منصبه في العلاقات الدولية والكنسية. فقد عُرف عن البابا انه كان
مناهضا للحروب والعداءات الدينية والطائفية , مناديا بالتاني وحل الخلافات
بالحوار السلمي والابتعاد عن العنف وخاصة انه عايش الاحتلال النازي لموطنه
الاصلي بولندا. لذا فهو يدرك مدى قسوة الحروب وتاثيرها المدمر على النفس البشرية. ولكن ندائه ومواقفه من الحروب لم تقطع الطريق عليها وخاصة في افغانستان
والعراق وفلسطين , حيث اقام قداسة البابا الصلوات الجماعية ورفع الدعوات واضاء
الشموع لتجنيب العالم ويلات الحروب , وخاطب ممثلي الاطراف المعنية وزعماء
العالم لبذل الجهود , لرفع المعانات التي قد تنجب عن اشتعال نيران القتال ,
ووقف موقفا مساندا للقضية الفلسطينية كالمطالبة بحق اللاجئين الفلسطينيين
بالعودة , والدعوة الى الحفاظ على الاماكن المقدسة المسيحية والاسلامية في
القدس . وكان للبابا ايضا موقف ثابت ازاء النظام الشيوعي ببولندا - مسقط راس
البابا - وكان له الدور الاكبر في اسقاط الاتحاد السوفيتي حيث شجع الناس وفي
اول زيارة له لبلده على الثورة , وبدأ حملة منظمة لاسقاط النظام الشيوعي . وكان
للكنائس الكاثوليكية والجماعات الدينية ايضا دورا هاما متمثلا , بالضغط
والتاثير على صانعي القرار السياسي باعتبارهم مؤسسات دينية فاعلة ومؤثرة في
الساحة الدولية وموجهة من الفاتيكان وانطلاقا من ان الدين هو المحرك الاساسي
لكافة الاحداث والافعال البشرية .
تدهورت صحة البابا في الاسابيع الاخيرة لوفاته وضعفت صحته بعد معاناة طويلة مع
امراض الشيخوخة وآثار
محاولة إغتياله عام ١٩٨١ , وتوفي عن عمر يناهز ٨٥ عاما , بعد ان
ترك ارثا عظيما.
 |
|
الصفحة
الرئيسية |
|