القديسة مريم في العهد الجديد

مريم أمّ يسوع

تلعب الأم دورا حيويا بالنسبة لأي كائن بشري. فلماذا يكون الوضع مختلفا بالنسبة ليسوع؟ ولكن في نصوص العهد الجديد نجد كتابات قليلة تشير إلى القديسة مريم. ولكننا مع ذلك نستطيع وعلينا أن نطرح السؤال: أي نوع من النساء كانت تلك التي أعطت يسوع الحياة وتبعته عن قرب؟

*   البشارة

فتاة من الناصرة, مخطوبة لنجار اسمه يوسف. وبموجب عوائد ذلك الزمان هناك احتمال بأنها لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة من العمر. فتاة يأخذها الخوف عندما يأتيها ملاك الربّ ويكلمها. فتصغي إلى تحيته, وتسمع أنّ الله اختارها لتكون أمًا لسر تجسد الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. "إفرحي, أيتها الممتلئة نعمة". "إفرحي!" إنها كلمة العهد الجديد الأولى. "إفرحي يا أورشليم, وابتهجوا بها يا جميع محبيها". هذا هو الفرح الذي نادى به الأنبياء, وانتظره المؤمنون من آل إسرائيل. نعم, علينا أن نفرح بالرب, لأنه افتدانا بدمه ونلنا سرّ المعمودية. متنا مع المسيح لنحيا معه. فرح الإيمان بالخلاص يذهب أبعد من الشرّ والألم والموت. لقد جاء المسيح قربانا دائما وفتح لنا أبواب السماوات.

نتابع تحية السلام الملائكي: "يا ممتلئة نعمة". وهنا نتساءل كيف تكون نعمة الله في مريم وقد ورثت البشرية الخطيئة الأصلية من أبوينا الأولين؟ كيف تحلّ نعمة الروح القدس على العذراء وقد فصلتنا الخطيئة الأصلية عن الله؟ وهل يمكن أن يحلّ المسيح في أحشاء البتول إن لم يكن نقيا طاهرا وخاليا من وصمة الخطيئة؟ من هنا تأتي عقيدة الكنيسة بالحبل بمريم البريء من الدنس التي أعلنتها الكنيسة عام 1854, وثبتتها ظهورات العذراء في لورد بعد أربع سنوات, عندما أكدت القديسة مريم لبرناديت "أنا الحبل بلا دنس". ولكن العذراء لا تقول "نعم" لكلام الملاك مجازفة. بل هي قبل كلّ شيء تقوم بطرح السؤال الذي كان يقلقها: "كيف يكون هذا...؟" وبعدها تقبل نداء الله "ليكن لي بحسب قولك", لأنه "ما من شيء يعجز الله".

*   زيارة نسيبتها أليصابات

سمعت مريم الملاك يقول لها: "هوذا نسيبتك أليصابات هي الأخرى حبلى في شيخوختها". فهرعت مريم من الناصرة إلى مدينة يهوذا لتهنىء وتخدم زوجة زكريا الطاعنة في السن. وهنا تقدم لنا العذراء مثالا على محبة القريب وخدمته. فدخلت بيت زكريا, وسلمت على أليصابات. فلما سمعت أليصابات سلام مريم, ارتكض الجنين في بطنها, وامتلأت من الروح القدس. فهتفت بأعلى صوتها: "مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي أن تأتيني أمُّ ربّي؟ فما أن وقع صوت سلامك في أذنيّ حتى ارتكض الجنين ابتهاجا في بطني. طوبى لتلك التي آمنت. فسيتمّ ما بلغها من عند الرب". فأجابتها مريم بأنشودة: "تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي. لأنه نظر إلى تواضع أمته, فها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال. لأنّ القدير صنع بي عظائم واسمه قدّوس. ورحمته إلى أجيال وأجيال للذين يتقونه. صنع عزا بساعده, وشتت المتكبرين بأفكار قلوبهم. حطَّ المقتدرين عن الكراسي, ورفع المتواضعين. أشبع الجياع خيرا, والأغنياء أرسلهم فارغين. عضد اسرائيل فتاه فذكر رحمته. كما تكلم لآبائنا إبراهيم ونسله إلى الأبد". فهي تقودنا هنا إلى "مسكن قلبها" حيث يقيم الله, وتهبنا نبع الحياة بنشيد الروح الذي يفيض من عمق الأعماق.

*   شكوك يوسف واطمئنانه

عادت مريم لبيتها... فكما أسرعت لزيارة أليصابات, عادت إلى الناصرة بعد انقضاء شهور الزيارة الثلاث, لتجابه كافة ما ينتظرها من متاعب. لقد تمّ كلّ شيء بحسب ما توقعته. واستلزم الأمر معجزة من الله لإنقاذ الموقف. فها هي قد تعاظم حملها. وها هو يوسف يفكر في فسخ الخطوبة سرًا. ويا للأفكار الرهيبة والأسئلة المخيفة التي عذبته. يا للعذاب النفسي الذي عاناه عندما علم بأمر مريم الحامل. وحيث أن القانون ضدها والعقوبة صارمة, فقد أراد يوسف أن يخليها سرًا حتى لا يضطر أن يبلغ عنها, ولكن هذا غير كافي لنجاة مريم من العقاب القاسي.

إن الله الآب ما استثنى ابنته مريم من التجارب. ولقد سمح بحكمته ألا تعفى العذراء من اجتياز طريق الآلام. لقد تأنى الله ولم يُعلِنْ ليوسف في الحال, لدى عودة مريم بأنها حبلى من الروح القدس, ولم يمنع وساوس الشك التي راودته. فقد كان على مريم أن تتحمل مرارة العار, وتتوقع أن يتخلى عنها خطيبها. ومع ذلك فإن الله, في وسط معاناة مختاريه, يأتي إليهم بين الحين والآخر لمعونتهم ورعايتهم بصورة عجائبية. فبعد تلك الأسابيع القاسية, والتي بقيت فيها مريم على عهدها مع الله, جاءت نقطة التحول بالنسبة للعذراء. فقد ظهر ملاك من الله ليوسف, وأعلن له بأنها حبلى من الروح القدس, وأنها ستلد إبنا عليه أن يسميه يسوع, لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. آمن يوسف بما قاله الملاك. "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك". يا له من تدخل ربانيّ, وعمل من أعمال الطاعة, وفرج لمريم!

*   ولادة سيدنا يسوع المسيح

ها إنّ العذراء مريم تنتظر طفلا, وها هي مع زوجها على طريق السفر. أمرا لا بد منه بعد أن قرر قيصر روما تعداد المسكونة. فذهبت مع القديس يوسف ليكتتبا في بيت لحم. أما طفلها فيأتي إلى العالم "بعيدا عن بيته", في مذود حقير يحيط به الفقر المدقع. كانت هذه باكورة المعاناة والرفض والإزدراء الذي سيتعرض له يسوع حينما نبذه أهل الناصرة ورفضه الشعب كله فيما بعد. ولم يسمح الله أن تعفى مريم ووليدها من المعاناة, لأن هذا ما ينبغي أن يقاسيه يسوع لخلاص البشرية. وكانت أمه كأول تلميذ له, عليها أن تشترك معه منذ البداية, في طريق آلامه, وتذوق قطرات من الكأس التي جرعها. فقد أدت معاناة رفضه في بيت لحم إلى تعرضه للعراء منذ ولادته, ومقاساته لعدم وجود مأوى له. وعندما يأتي الرعاة الفقراء, بعد أن بلغتهم الملائكة بميلاد المخلص, تتبصر عيونهم المسيح المنتظر ويمجدون الله على كل ما صنعه من أجل شعبه. "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة". وكذلك المجوس الثلاث القادمين من المشرق أتوا أيضا ليبحثوا عن الطفل. وعندما وجدوه سجدوا له وقدموا ما بجعبتهم من الهدايا: ذهبا وبخورا ومرًا. فبينما كان الليل يبسط أجنحته على بيت لحم, أشرق النور السرمدي, يسوع المسيح, شمس البر على العالم.

* تقدمة يسوع إلى الهيكل

يا له من فرح مجيد للأم العذراء حينما حان الوقت لتحمل طفلها إلى الهيكل وتقدمه هناك! لقد كانت تحمل على ذراعيها إبن الله المتجسد. فها هو الطفل الرضيع يسوع يأتي لأول مرة إلى بيت أبيه. وهناك, في قدس الأقداس, حيث يسكن الله الآب, مقام يسوع بحقه الشرعي. كان على مريم أن تتمم فرائض الناموس. إذ أصبح لزاما أنْ يُقدّم كل بكر ذكر, في الهيكل, مُكرّسا للرب الإله كعلامة شكر. وقدمت مريم تقدمة الفقراء: زوجا من اليمام. لعلها لم تعلم حينها أن الآب سيطلب منها تضحية ما هو أثمن وأعظم من ذلك بكثير, ألا وهو موت إبنها الوحيد على الصليب.

التضحية الفعلية ستتم في وقتها. أما الآن فقد غمرت مريم الفرحة المشرقة عندما قدمت إبنها للكهنة. لكنّ الآب يعلم أنه بعد ثلاثة وثلاثين عاما, سوف يُقدّم حمل الله بدمه المسفوك على مذبح الصليب. كان السيف يظلل حياة مريم, السيف الذي سوف يجتاز نفسها حينما تأتي الساعة الرهيبة. هذا ما أعلنه سمعان الشيخ, بإلهام من الروح القدس, لأم الفادي الإلهي, الذي قدّم التسبيح لله لأجل امتياز رؤية ذلك المخلص مشتهى الأجيال. أعلن لها عن الألم الذي ستقاسيه, وعن السيف الذي سيجوز نفسها في مقبل الأيام, بعد أن بارك العائلة المقدسة.

*   الهروب إلى مصر

لم يمض وقت طويل على نبوءة سمعان, حتى بدأ أول سيف يجتاز نفس مريم. فعليها أن تهرب في سباق مع الموت الرهيب الذي يتهدد وليدها. بعد أن بدأ المجوس برحلة العودة إلى بلادهم, أسرع يوسف ومريم, بأمر من الله, يحملان الطفل عبر البرية, ليهربوا من مؤامرات هيرودس الحاقد الشرير. "قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وابقى هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه". هذا ما قاله ملاك الرب ليوسف في الحلم. إذ لم يتقبل هيرودس نبوءة ملك آخر يقوم مكانه.

لقد أصبحوا لاجئين! ومن منّا لم يسمع في هذه الأيام عمّا يقاسيه اللاجئون, أو يختبر بنفسه مذلة اللاجىء؟ ومن منّا لا يستطيع أن يتصور المخاطر التي يتعرّض لها طفل حديث الولادة خلال هروبه في البرية؟ وما أقسى الهروب في الصحراء, حيث الشمس الحارقة نهارا والبرد ليلا؟ ومع ذلك فهذا هو الطريق الذي اختاره الآب لإبنه, الذي دخل عالمنا حديثا, وما يزال طفلا صغيرا رضيعا. أما أطفال بيت لحم الأبرياء, فلم ينجوا من حقد وكبرياء هيرودس. إذ أمر بقتل كل طفل من تلك الناحية بعمر سنتين وما دون, لعلّ يسوع الملك يهلك معهم. وكان هؤلاء الأطفال أول شهداء المسيح, ضحوا بحياتهم من أجله, وتعمّدوا بدمهم المسفوك. أما يسوع فنجا من الفاجعة ووصل إلى مصر مع العائلة المقدسة.

* وجود يسوع في الهيكل

بعد موت هيرودس, ظهر ملاك الرب في حلم ليوسف في مصر قائلا: "قم وخذ الصبي وأمه, واذهب إلى أرض إسرائيل, لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي". فقام وأخذ الصبي وأمه, وجاء إلى أرض إسرائيل إلى نواحي الجليل, وأتى وسكن في مدينة يقال لها الناصرة, لكي يتم ما قيل بالأنبياء, أنه سيدعى ناصريا. وهكذا تربى الطفل يسوع في الناصرة, تحت رعاية أمه ويوسف, وقد كانت تلك المدينة في أيام يسوع مدينة صغيرة, وقليلة السكان. ويخبرنا الكتاب المقدس بأنّ يسوع كان ينمو في الحكمة, كما في النعمة, عند الله والناس.

ومرَّت السنون, ونما يسوع. وها نحن نراه الآن في الثانية عشر من عمره, حين جاء العيد الكبير الذي يرافق فيه أبويه للهيكل, حيث يمكنه الدخول إلى المجمع اليهودي. لقد مضت سنوات طفولته, ودخل إلى طور الشباب. واصطحبت العائلة المقدسة, في رحلتها الطويلة من الناصرة إلى أورشليم, العديد من الأصدقاء والمعارف والأقارب, لتقديم التعبد لله. أما الصبي يسوع فيبدو لنا بنفس ظمأى لبيت أبيه, وها قد واتته اللحظة التي كان يشتاق إليها منذ أمد طويل. ولقد جرت العادة أن يعود كل يهودي إلى مدينته, بعد انتهاء أيام العيد. وما اعتادت مريم, إلا أن تلقى الطاعة من صغيرها. وكم كان ذعرها مع يوسف عظيما عندما لم يجداه مع القافلة العائدة إلى مدينتهم الناصرة. كم كان حزن مريم عظيما, بمقدار محبتها العظيمة له, حين بحثا عنه دون جدوى. ووجدته أخيرا بعد ثلاثة أيام من المعاناة, في الهيكل وسط معلمي الناموس, يسألهم ويحاورهم ويستمع إليهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته. فلما أبصراه اندهشا. وبعد كل العذاب الذي احتملته وعانته بسسبه, كم كانت لحظة اللقاء مؤثرة في نفس مريم. وقالت له أمه: يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ فأجاب: ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟ ثم رجع معهما إلى الناصرة وكان خاضعا لهما. وكانت مريم تحفظ هذه الأمور في قلبها.

* عرس قانا الجليل

عندما بلغ يسوع الثلاثين من العمر, بدأ حياته العلنية ليتمم مشيئة الآب الذي أرسله. فبدأت حياته تتخذ اتجاها جديدا. ولربما امتلأ قلب أمه رجاء, بأنّ اللحظة قد أتت, التي يتمم فيها الله وعده. ألا يمكن أن يقوم بمعجزته العلنية الأولى أمام الجميع, لتكون الخطوة الأولى التي تثبت بأنه المسيح؟ لقد آمنت مريم بمقدرة يسوع بعد هذه السنين الطويلة التي قضياها كعائلة واحدة. وكانت لها الثقة الكاملة بأنه يستطيع أن يفعل المعجزات. وهذا ما دفعها أن تقول له, خلال احتفال عرس قانا الجليل, بأن الخمر نفذ, وكأنما من الأمور الطبيعية أن تلجأ إليه, ليقدم حلا للمشكلة.

ومع أنّ يسوع لم يقوم بحلّ المشكلة فور طلب أمه, "لم تأتي ساعتي بعد", فقد أدرك الدافع من وراء طلب مريم. أما هي فتقبلته بكل خضوع, ولكنها في نفس الوقت آمنت إيمانا صادقا بإرسالية إبنها, كما يتضح من تعليماتها للخدم: "مهما قال لكم فافعلوه". ثم يخبرنا الإنجيل المقدس بأنه كانت ستة أجران من حجارة, موضوعة هناك حسب تطهير اليهود. فقال يسوع: املأوا الأجران ماء. فملأوها بالكامل. ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ. فلما ذاق رئيس الحفل الماء المتحول خمرا, ولم يكن يعلم من أين هي, دعا العريس وقال له: كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا, ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن. فأظهر يسوع مجده وآمن به تلاميذه. فلنطلب شفاعة أمنا مريم, كما تضرعت لإبنها يسوع حين نفذ الخمر في عرس قانا الجليل.

* إلتقاء مريم بيسوع على طريق الجلجلة

إنها بالكاد ما استطاعت أن تصدق أذنيها ... يسوع يُقبضُ عليه؟ أما كان من الممكن أن يُظهر سلطانه الإلهي, ويجتاز من بين مهاجميه, تماما كما فعل أثناء هجوم أعضاء المجمع عليه في الناصرة؟ وكيف يمكن أن يسمح لجماعة قليلة من الجنود أن تقيد يديه, ويظهر أمامهم في صورة الضعيف العاجز؟ وهل يصدِّق أحدٌ أنهم يجرّونه الآن إلى المجلس ليحاكم أمام أولئك الذين اشتاقوا, منذ زمن طويل, أن يهلكوه؟ وكم كان أمرا يكسر القلب بالنسبة لمريم المتواضعة التقية, أن ترى قادة الدين في شعبها يثورون على ابنها الحبيب. ولماذا يقف أمامهم صامتا؟ ألا يستطيع بمعجزة فائقة أن يثبت لهم أنه هو المسيح المنتظر؟ أين اختفى تلاميذه؟ وهل يُعقل عدم وجود من يدافع عنه؟ أين الآلاف الذين أطعمهم في البرية؟ والذين شفى برصهم وعماهم و...؟ لقد بدا لها بأن السيف الذي تنبأ عنه سمعان أخذ بالنفاذ عميقا في قلبها. فهو يجتاز مرارا وتكرارا ويمزق أحشائها. أما طريق الآلام الذي وطأته قدما يسوع بدأ يتخذ مراحل متعددة. فهناك المحاكمات والسخرية والجلد, ثم التتويج بالشوك. وإذ رافقت مريم وحيدها إلى الصليب, شاركت بالروح في كل خطوة من خطوات الألم على طريق العذاب الطويل وهي صامتة, تقدم أوجاعها للآب وتطلب مشيئة الرب. تدافعت مع الجماهير لتقف بجانب الصليب, وترى إبنها وهو يقاسي ويترنح بين لصين, وجسمه المشوه يقطر دما. كان عليه أن يجرع الكأس حتى آخر قطرة, ليأتي بتاج المجد لنا. "فلما رأى يسوع أمه, والتلميذ الذي كان يحبه, واقفا بجانب الصليب, قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هوذا أمك, ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته". كان يسوع يتجرع أقسى جرعات الألم المرير والهجران الإلهي. لكنه في نفس الوقت فاض قلبه بالمحبة والعواطف الرقيقة والعناية العطوفة لأمه, مستودعا إياها للتلميذ الحبيب. ويا للأعماق الكامنة في مثل هذه الكلمات. فهو يلمس أحزانها التي لا نظير لها, ويخصها بهذه التعزية الإلهية في أن يعهد بها إلى إبن حبيب ... إبن روحي. وتحمل هذه الكلمات معنى أعمق من ظاهرها. فالإبن الحبيب هنا يرمز للبشرية جمعاء, وأمومة مريم التي أوصى بها المسيح أصبحت تخص الجنس البشري قاطبة! "لقد تمّ". بهذه الكلمات أعلن يسوع إتمام ما قاله الأنبياء عنه في العهد القديم. وبهذه الكلمات استكمل المسيح سر الفداء ومصالحتنا مع الله وفتح أبواب السماوات للمؤمنين. بهذه الكلمات فاضت روحه الإلهية الطاهرة النقينة. ولكن لم تنتهي أوجاع مريم بعد. إذ كان عليها أن ترى إبنها يُطعن بالحربة, وقلبه يفيض دما وماء حتى آخر قطرة, وأن تضع جسده بلا حراك في حضنها بعد أن أنزلوه عن الصليب. يا لهول أوجاع أم يسوع وأم البشرية!

وأخيرا, تظهر مريم مجددا يوم العنصرة. وكان تلاميذ يسوع مجتمعين معا في أورشليم يصلون وينتظرون إفاضة الروح القدس عليهم. فمريم, أم يسوع, أصبحت أيضا أم الكنيسة.

 
 الصفحة الرئيسية