|
الجزء الأول: لكل امة تاريخ، ولكل شعب قصة يتناقلها الخلف من السلف. اما المارونية ، فلم تحكِ للأجيال قصتها الاّ بعد ان عاشتها في اطار اضطهادات ذاقت منها الأمرين. ولم تكتب تاريخها الآّ بدم الشهادة وعلى سطور الألم والعذاب.الكثير من المخطوطات أحرقته الحروب واتلفتها الغزوات الآتية من الجهات الأربع، حتى تعثر على المؤرخين حقيقة ما جرىخلالها من حوادث ومآثر، ان المارونية عاشت تاريخها قبل ان تدونه على الورق منذ نشأتها حتى اليوم، لذلك حالت دون طمسه النار التي التهمت والمدافع التي هدمت، لأن ما يُكتب على القلوب اللحمية، لا يمكن ان تزيله قوة، مهما عظم شأنها، ومهما اشتدت شوكتها، تاريخ المارونية هو صفحة من تاريخ مسيحيي الشرق، ابتداء من الجيل الخامس. تاريخ المارونية هو تاريخ كل لبنان، هذا الوطن الذي تحالف مع المارونية منذ نشأتها، ليظهر للملأ كيف يكون الصمود، وكيف يكون التصدي. تنتسب الكنيسة المارونية الى دير مار مارون الشهير الذي شيّد على اسم الناسك مارون تكريما له. مَن هو القديس مارون ؟ لسنا نملك سوى النزر القليل من المعلومات عن حياة هذا الراهب العظيم وعن نشأته. وحده المؤرخ الكبير تاودوريطوس، اسقف قورش في القرن الخامس، اعطانا بعض التفاصيل عن سيرة الراهب مارون في كتابه الرهباني " Histoirr Religieuse ان ما يهمنا من ينابيع النسك هذه هي الرهبانية السريانية التي اعتنقها القديس مارون، والتي تميزت باعتناق العزلة، وتجدر الاشارة أنها كانت من مميزات الرهبنة السريانية، وقد مارسها الراهب والناسك ايضا. لقد شغف الراهب مارون بالسيد المسيح، وقرر التسلق الى سلم الكمال. فصعد الى قمة جبل من جبال ابرشية قوروش، وسكن انقاض هيكل للأصنام، محولا اياه الى بيت صلاة وتضرع، قاضيا فيه حياة نسكية اشدّ قساوة من حياة باقي اخوانه الرهبان، وما لبثت شهرته ان اجتذبت جميع اؤلئك المتعطشين الى الكمال المسيحي، فلحقوا به، مقتفين خطاه لأنهم رأوا فيه المثال الحي والمرشد الروحي الخبير، مشاطرينه العزلة والمسنك وقد تخرّج من مدرسته النسكية تلاميذ كثيرون. مات القديس مارون في اؤائل القرن الخامس عشر على الأرجح حوالي سنة 405 او 423 مسيحية، وراح سكان القرى المجاورة يتنازعون لاستلام جثمانه ليحفظوه ذخيرة في كنيستهم، الى ان كانت الغلبة للبلدة الأكثر عددا والأقوى مراسا والأشد نفوذا، فشيدت على اسمه كنيسة ضمت جثمانه، ولم تلبث ان اصبحت مزارا يحج اليه المؤمنون من حدب وصوب. وفي سنة 452 بنى المبراطور مارسيانوس، في جوار افامية، عاصمة سوريا الثانية، ديرا كبيرا على اسم القديس مارون ليسكن فيه تلاميذه الكثر. فكان هذا الدير مهد الكنيسة المارونية. *********************
توفيّ الراهب مارون، ولكن مدرسته ظلّت مزدهرة، ومع مرور الزمن اخذت اهمية دير
مار مارون في الإمتداد تصاعدا حتى اصبح يضم، كما يقول المعودي (اكثر من
ثلاثماية صومعة يسكنها الرهبان). والاسقف الماروني توما الكفرطابي يؤكد في
القرن السابع، كان هذا الدير يضم ثمانماية راهب، وازدادت مكانة الدير على نهر
العاصي اكثر فاكثر لدرجة ان اصبح المرجع الوحيد للمؤمنين في كل ما يتعلق بامورهم
الدينية الروحية والزمنية. الفصل الثالث : المارونية نهج فلسفي المارونيةهي نهج فلسفي ونهج اجتماعي - وطني في آن واحد. لقد عرفت كنيسة المسيح في الاجيال الاولى، هرطقات لا تعداد لها: من المسيحيين الذين انكروا ألوهية المسيح، في نيقيا عام 325 ثم مجمع القسطنطنية سنة 381، ومن هذه الهرطقات بدعة آريوس الذي انكر ألوهة المسيح، فحرمه مجمع نيقيا 325 . وفي عام 381 ثبت هذا الحرمان، وبدعة اوتيخا الذي انكر إنسانية المسيح وبشر بالطبيعة الواحدة اي الطبيعة الألهية فقط، وهذه البدعة التي تسمى "المونوفيزية" وعلى اثر هذه البدعة انعقد المجمع الخلدقوني عام 451 وأعلن العقيدة الواحدة الإيمانية بإن المسيح هو اله حق وانسان حق يجمع في شخصه الطبيعتين الألهية والناسوتية وبملئهما التام. فالمارونية تأسست اذا جاز التعبير على الصراع الخلدقوني للدفاع عن العقيدة الإيمانية الصحيحة. المارونية نهج فلسفي- لاهوتي توفي القديس مارون حوالي عام 410 ميلادية ، وانعقد المجمع الخلدقوني عام 451 اي بعد وفاة الراهب باربعين سنة، فالرهبان تلامذة القديس مارون والمؤمنون الذين يعيشون حول قبره في المزار، في منطقة سوريا الثانية، كانوا من اتباع المجمع الخلدقوني المذكور. المبني على تضامن الإنسان مع اخيه الإنسان ايّا كان ومن اي بلد كان وهذا جوهري، لاهوتي, يجعل كل المسيحيين يؤمنون بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية. ومن المعروف غداة اجتماع خلدقونيا، لم يرمِ المونوفيزيون سلاحهم، بل شنوا حروبا وبطريقة خاصة على الموارنة، في حملات متواصلة. وقد قتلوا ثلاثماية وخمسين راهبا مارونيا في كمين نصبوه لهم، واليوم لم تزل الكنيسة المارونية تحتفل بذكراهم كل سنة في الحادي والثلاثين من تموز كل عام. وتجدر الإشارة بأنه, رغم الاضطهاد والقهر والتشرد التي احتملها الموارنة, لم تجعلهم حياة النبذ والموت يحيدون قيد شعرة عن ايمانهم ومعتقدهم, وهذه الصلابة حملت الامبراطور مرقيانوس الى المزيد من الاحترام والتقدير لهم. فعمر لهم في العام 452 دير مار مارون الذي اصبح فيما بعد مهد الكنيسة المارونية التي كانت المرجع للشعب والبطريرك الماروني الذي اصبح مركزه انطاكية. كان يدير شؤون الطائفة بحكم شعبي، واثباتا على ذلك نرى ان الحكم في الاصقاع الشرقية كان يوم تأسست الكنيسة المارونية، تيوقراطيا عند المسيحيين كما عند الاسلام، فامبراطور القسطنطينية كان يتدخل فعليا بشؤون الكنيسة وادارتها الروحية والكنسية، والحكم الاسلامي ما عرف قط فصل الدين عن الدولة فكان حاكما تيوقراطيا بكل معنى الكلمة، هنا وعي الموارنة الى هذه الاوضاع فحولوا كنيستهم الفتية الى امة ليكتب لها النجاح والبقاء! وقد كان الجبل اللبناني، البقعة الجغرافية الملائمة لهذه الأمة الجديدة, ولذلك لم تتمكن بيزنطية ولا العرب ولا الدولة العثمانية من محو الموارنة، ولا تقليص وجودهم ولا من تغيير وجودهم او هويتهم ، فبقيت كنيستهم كنيسة وطنية اعطت الولاء للشرق في بطريركها الإنطاكي وسائر المشرق. في ختام الفصل الثالث يمكن القول ان الكنيسة المارونية هي جماعة من المسيحيين تغرز جذورها في منهج فلسفي لاهوتي عميق, وقد اعطت لذاتها بنية خاصة في اطار رهباني، ومن ثم ما لبثت الى تحولت الى بنية وطنية ومرجعية وطنية لكل اللبنانيين بمعزل عن طوائفهم في الحفاظ على الوطن والأرز كشعارهم. الفصل الرابع: الانتقال الى لبنان
ولدت الكنيسة المارونية في انطاكية، ومن ثم كما ذكرنا انتقلت
الى لبنان لأنه كان الخيار في ان تعيش
مضطهدة او ان تعيش بكرامة. ولما كان الجبل اللبناني قداعتنق المسيحية مع
الساحل ولما كان هناك رهبان موارنة قد سبقوا هجرة الرهبان، فنزحوا الى
هذا البلد قاصدين الحرية, لأن لبنان
كان ملاذا للمضطهدين. الفصل الخامس: لبنان موطن الحرية
لبنان هو تلك البقعة من الأصقاع الشرقية التي تبلغ مساحتها 10452كلم. يحده من
الشرق والشمال سوريا، ومن الجنوب فلسطين، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط.
عاصمته بيروت، وطبيعة ارضه هي اغلبها جبلية وتعلو قمة القرنة السوداء,
أعلى قمم
لبنان 3088 مترا عن سطح البحر. الفصل السادس: الموارنة في لبنان
لقد قيل بحق
أنّ "لبنان والمارونية تؤمان". ولا يمكن ان نتصور الواحد دون
الآخر، لا شك ان لبنان وجد ارضا وشعبا، قبل الموارنة باجيال واجيال، ولكن لبنان
الحديث، ارضا وشعبا، ما كان لو لم تكن المارونية،(1)
بعد ان قضى
القورشي بضع سنوات في لبنان، يعمد ويعلم النصرانية، عيّن خليقة له احد رفاقه
الكهنة، وعاد الى ديره في ابرشية قوروش. فانتشر صيته وذاعت شهرته، كراهب ورسول
مثالي، ولذلك انتخب اسقفا على حرّان الغارقة انذاك بالكفر والوثنية، وبعد ان
ساسها احسن سياسة رقد بالرب سنة 422 للمسيح. الفصل السابع: البطريركية المارونية
لقد
حُددت الكراسي البطريركية القديمة في الشرق على الوجه التالي: القسطنطينية،
الاسكندرية، الانطاكية، والأورشليمية، بالإضافة الى الكرسي البطريركي الغربي في
روما، وتجدر الاشارة الى ان البطريركية الاورشليمية,
وان كانت اساسا ام الكنائس, لأن مؤسسها السيد المسيح ذاته, ومنها انطلقت البشارة
الى اربعة اقطار العالم، فقد فقدت اهميتها بعد ان دمر الرومان مدينة القدس،
اوروشليم، سنة 70 للمسيح.
عندئذ التحقت بالكنيسة الإنطاكية اداريا وطقسيا. وفي سنة
451 م اي غداة المجمع المسكوني الخلدقوني، انفصلت البطريركية الاورشيلمية
اداريا عن انطاكيا, واصبحت من جديد كرسيا قائما بذاته،
انما ظلت مرتبطة طقسيا بالكرسي الانطاكي، اي ظلت ُمَتَبنيّة الليتورجيا
الإنطاكية السريانية.
بعدما اسس القديس بطرس هامة الرسل الكنيسة الانطاكية وذهب الى روما وصُلِبَ
هناك رأسا على عقب لأنه قال انني لا استحق ان أُصلب كسيدي حيث اسس كرسيه هناك,
لذلك يحق ان يضاف اسم مار بطرس قبل الاسم الحقيقي ولهذا يقولون مار بطرس
نصرالله صفير. في العهد البيزنطي
كانت اليونانية لغة الدولة السياسية ولغة التجارة،
كما كانت اللاتينية لغة الإدارة والجيش. لكنّ لغة سكان البطريركية الإنطاكية كانت اساسا للغة السريانية،
حتى ان مدينة انطاكيا كما رأينا كانت مسرحا وساحة عراك عنيف بين اللغتين
اليونانية والسريانية، الى ان النصر كان حليف اللغة اليونانية والحضارة
اليونانية. عنئذ بدأ النفوذ البيزنطي يقوى يوما بعد يوم داخل البطريركية
الإنطاكية، كما بدأ بعض المسيحيين الإنطاكيين يتقربون من الامبراطور اليوناني،
ولذلك دعيوا بالملكيين نسبة الى ملك بيزنطية، واخذوا يتخلون رويدا رويدا عن
طقسهم الانطاكي السرياني، متبنين الليتروجيا والعادات التي حددتها الكنيسة
البزنطية. عندئذ انقسم الخلقيدينيون الى اثنين: ملكيين وسريان، فكان معظم
الملكيين في الساحل اللبناني,
بينما اخذ السريانيون الجبل اللبناني. لذلك يمكننا القول ان كل مسيحيي الشرق
الاوسط كانوا يتكلمون السريانية لغة المسيح، ولم تتغير الطوائف المسيحسية
الشرقية منذ ذاك العهد حتى يومنا هذا سريان وبزنطيين.
المارونية والفتح العربي بعد الانشقاق الذي حصل بين الكنيستين اللاتينية والبيزنطية في القرن الحادي عشر، فقد اصبحت عندئذ الكنيسة المارونية هي الوحيدة في الشرق على ارتباط وثيق واتصال دائم مع الكرسي الرسولي, وتعاضدت مع الكنيسة الشرقية لمؤازرتها ضد اعدائها.. عندئذ بدأ المرسلون الغربيون رسالتهم التبشيرية والتربوية في كل اصقاع الشرق، وكان اتصال الموارنة هو نقطة التعرف بين الطوائف المختلفة. يوم اجتاح العرب الشرق، في القرن السابع; كان النفور من الحكم البيزنطي في هذه المناطق وقد بلغ القمة، كما كانت الانشقاقات; والخصومات اصبحت متاصلة فيما بين المسيحيين، مما سهل للفتح العربي التغلغل في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر والشرق. نكتفي بهذا القدر من تاريخ الكنيسة المارونية على أن يتم استكمال البحث في التطورات التي شهدها الموارنة في وقت لاحق.
|